أسرار لياقة مودريتش الاستثنائية.. عطاء لا يتوقف بعد الأربعين
"صحيح أنّه ليس عُمره 20 ولا 30 سنة، بل هو في العمر نفسه الذي يشير إليه التقويم، ولكن خلال كلّ هذه المواسم عمل على الوقاية.. ولهذا السبب فإنّ عُمره الأيضي أقلّ من عُمره الزمني، فإذا كان عمره الزمني 39 عامًا، فإن عمره الأيضي أقل من 30 عامًا".
هذا ما قاله مدرّب لوكا مودريتش المسؤول عن وضع خطة لياقته البدنية، التي جعلته مستمرًا في تقديم سحره الكروي على أرض الملعب حتى مع بلوغه 40 عامًا، سواء خلال مسيرته مع ريال مدريد أو حاليًا مع نادي إي سي ميلان الإيطالي.
ولكن الفائز بالكرة الذهبية عام 2018 لم يكُن طريقه مفروشًا بالورود كي يستمرّ في عُمر يعجز عنه أغلب اللاعبين، فما السرّ وراء تلك الاستمرارية المذهلة؟
أسرار لياقة مودريتش بعُمر الأربعين
بينما يعتزل كثير من اللاعبين كرة القدم مع بلوغ الثلاثينيات من العُمر، فإنّ سرّ لياقة مودريتش يقف وراءه رجل واحد يُدعَى "فلاتكو فوتشيتيتش"، وهو أستاذ مساعد في كلية عِلم الحركة بجامعة زغرب، الذي التقى مودريتش عام 2010، ويتعاون معه منذ عام 2012.
وقال في حوار لصحيفة "ريليفو" الإسبانية: "سألني إذا كان بإمكاني مساعدته"، وفي ذلك الوقت حدّدوا ثلاثة أهداف: "الحفاظ على لياقته البدنية، ومنع الانتكاسات الجسدية، وإطالة مسيرته الرياضية".
وحتى في ذلك الحين لم يكُن مودريتش متفائلًا جدًا بشأن طول مسيرته الرياضية، وحسب ما قاله "فلاتكو": "لقد أراد اللعب حتى بلوغ 36 عامًا، لقد حدّد لنفسه هذا الهدف"، واليوم لا يزال مودريتش يقدّم أداءً مبهرًا مع تجاوز الأربعين عامًا.
روتين مودريتش التدريبي
يتضمّن روتين مودريتش التدريبي تمارين يومية باستخدام أشرطة مطاطية طويلة، وتمارين لعضلات الذراعين وحزام الكتف، بالإضافة إلى تمارين مُخصّصة للجذع، ومجموعة خاصّة من التمارين لعضلات الأطراف السفلية.
فبعد سن الثلاثين، تُفقَد كتلة العضلات بسُرعة، ولذلك ينبغي لأي لاعب أن يعمل بجدية أكبر للحفاظ على مستوى لياقته البدنية، ولذا يرى "فلاتكو" أنّ التدرّب اليومي باستخدام الأشرطة المطاطية الطويلة هو المفتاح، لأنّها توفر مقاومة للعضلات وتساعد على تطوير القوة تدريجيًا.
لماذا يُفضّل مودريتش الأشرطة المطاطية في الحفاظ على لياقته؟
يُعدّ التدرّب باستخدام الأشرطة المطاطية أحد أشكال تدريبات المقاومة، والتي قد تكون ضرورية بعد الثلاثين، خصوصًا للاعب مثل مودريتش للأسباب الآتية:
1. الحفاظ على كُتلة العضلات
تبدأ كُتلة العضلات في الانخفاض في سن الثلاثين، بل تنخفض كتلة العضلات بنسبة تتراوح بين 3% و5% كل عقد، وفقًا لجامعة "Harvard Health".
ولذا فإنّ تدريبات المقاومة باستخدام الأشرطة المطاطية تساعد على تجنّب فقدان العضلات والحفاظ على كتلة العضلات بأقصى قدرٍ ممكن.
2. دعم التعافي من الإصابات
الأشرطة المطاطية خفيفة للغاية، ما يجعلها أكثر أمانًا في تدريبات المقاومة، مقارنةً بمعدات مثل الدمبل والباربل؛ إذ لا يمكن أن تؤذي الأشرطة المطاطية قدميك إذا سقطت عليها بخلاف المعدات الأخرى.
علاوة على ذلك، فإنّه من الأسهل زيادة المقاومة أو تقليلها باستخدام أشرطة المقاومة خلال التعافي بعد الإصابة بدلًا من تخمين مقدار الوزن المناسب الذي ينبغي وضعه على البار.
نظام مودريتش الغذائي
يولِي لوكا مودريتش اهتمامًا بالغًا بنظامه الغذائي أيضًا؛ إذ يحرص على تناول الكثير من الأسماك، فهي طبقه المُفضّل، أمّا في يوم المباراة فإنّه يتناول كثيرًا من الكربوهيدرات من خلال تناول المعكرونة، لإمداده بالطاقة اللازمة للمباريات وفقًا لموقع "Milan reports".
الأسماك سرّ لياقة أسطورة كرواتيا بعد الأربعين
تُعدّ الأسماك من أغنى الأطعمة بأحماض أوميجا 3 الدهنية، التي بدورها تساعد على تعزيز تكيّف العضلات مع التمارين الرياضية.
كما يرتبط تناول مكملات أوميجا 3 بانخفاض آلام العضلات التي تظهر بعد ممارسة التمارين الرياضية، وفقًا لدراسة عام 2009 في مجلة "Clinical Journal of Sport Medicine".
وقد يكون هذا التأثير لأوميجا 3 في تسريع تعافي العضلات ناجمًا عن فوائدها المضادة للالتهابات، والتي ربّما تخفّف الاستجابة الالتهابية المرتبطة بتلف العضلات.
أيضًا تبيّن أنّ مكملات أوميجا 3 تحسّن قدرة الجري لدى لاعبي كرة القدم التنافسيين، حسب دراسة عام 2013 في مجلة "International Journal of Sport Nutrition and Exercise Metabolism".
لذا فإنّ تفضيل مودريتش للأسماك ليس فقط لتحصيل البروتين الضروري للكتلة العضلية، وإنّما أيضًا للاستمتاع بفوائد أوميجا 3 في دعم التعافي العضلي والأداء البدني.
عقل مودريتش سرّ استمراريته
يسلط المدرب البدني "فلاتكو" الضوء على سر آخر وراء طول مسيرة مودريتش في الملاعب: "قدرته المعرفية وذكاؤه الحركي، بمعنى اتّخاذ قرارات سريعة في الملعب، وسُرعة البديهة ورؤية وابتكار عدّة سيناريوهات للعب مسبقًا كما لو كان يلعب الشطرنج، وقراءة تحرّكات اللاعبين الآخرين".
ويضيف أيضًا: "هذا الجانب هو ما يجعل لوكا واحدًا من الأفضل في العالم، إن لم يكُن الأفضل".
ولذكاء مودريتش أثره في الحفاظ على طاقته الجسدية؛ إذ يجعله يُسهِم في اللعبة بدرجة كبيرة دون حاجةٍ إلى تغطية مسافات هائلة في الملعب.
مودريتش ذهب لا يصدأ
يلخّص "فلاتكو" سر طول عمر مودريتش الرياضي بثماني مكوّنات رئيسة تحدّد نجاح الرياضي: الصحة ونمط الحياة، والجينات، والمهارات الحركية، معرفة وفهْم الحركة، والطاقة الاستيعابية، والشخصية، والقدرات المعرفية، وأخيرًا العوامل الاجتماعية والاقتصادية، مثل الدعم من الأُسرة والوصول إلى الموارد عالية المستوى.
ختامًا، لم يستمرّ مودريتش في الملاعب بعد الأربعين بنظامه الغذائي الغني بالأسماك، ولا من خلال روتين اللياقة الذي يحافظ على كتلة العضلات فحسب، وإنما لعبت مهارات مودريتش الذهنية دورًا أساسيًا أيضًا في استمراريته، بالإضافة إلى إرادته الهائلة في أن يستمرّ في عرض سحره الكروي لأطول فترة ممكنة.
