الصحة الجنسية غير المرئية: كيف تحمي نفسك من خطر لا تراه؟
ينشغل بال الرجل بكثيرٍ من الأمور، بين مسؤوليات الحياة وأعباء العمل، وربّما تخفِي هذه الأمور أسبابًا حقيقية لمشكلات الصحة الجنسية، ولكن كيف يدرِك الرجل ذلك بينما تختطفه المهام اليومية؟
ربّما يعلم كثير من الرجال أنّ صحتهم الجنسية في خطر إذا عرفوا أنّهم مصابون بأمراض، مثل مرض السكري، ولكن أحيانًا تنبع مشكلات الصحة الجنسية من أمور أخرى، كالخلافات الزوجية أو ضغوط العمل، أو قلة النوم، أو ربّما الإفراط في تناول اللحوم الحمراء، فإلى أي مدى يبلغ تأثير تلك العوامل الخفية في الصحة الجنسية للرجال؟ وكيف يمكِن الحد من آثارها؟
ما المقصود بالصحة الجنسية غير المرئية؟
من المعروف أنّ بعض الأمراض قد تضرّ الصحة الجنسية للرجل مباشرةً، مثل مرض السكري، أو ارتفاع ضغط الدم، أو غيرها من المشكلات الصحية التي يمتدّ أثرها للصحة الجنسية.
ولكن ثمّة أمور أخرى غير ظاهرة بنفس وضوح الأمراض، تتحكّم في الصحة الجنسية للرجل، مثل نمط حياته اليومي، وتغذيته، ونشاطه البدني، وصحته النفسية، وعلاقته بزوجته، وكلّها قد يكون لها تأثير في الصحة الجنسية للرجل، علِم ذلك أم لم يعلم.
كيف تؤثر الحالة النفسية على الأداء الجنسي؟
الأمر أعمق من مُجرّد توتر عابر يصِيب الرجل ويجعله غير قادر على التركيز أو مُتعَب من أقل جهد، بل إنّ الحالة النفسية يمكِن أن تؤثّر في الصحة الجنسية من جوانب مختلفة، كما يتضح فيما يأتي:
التوتر والقلق: استنزاف مستمر للصحة الجنسية
التوتر من العوامل الأساسية في حدوث ضعف الانتصاب عند الرجال، خصوصًا في غياب أي سبب جسدي أو مرضي، ولكن بمرور الوقت يمكن أن يؤدي التوتر إلى القلق، والذي بدوره يؤدي إلى مزيد من التوتر، ما يتسبّب في حلقة مفرغة لا ينال الرجل منها إلّا ضعف الانتصاب.
وقد بيّنت دراسة عام 2023 في مجلة "Current Directions in Psychological Science" أنّ التوتر المزمن (حتى الذي ينشأ في العمل) يُسهِم في ارتفاع مستويات الكورتيزول وزيادة نشاط الجهاز العصبي الودّي، بما يعطّل وظيفة الانتصاب.
كما ذكرت دراسة أخرى عام 2021 في المجلة الدولية لأبحاث العجز الجنسي، أنّ ما يصل إلى 37% من المصابين بضعف الانتصاب أبلغوا عن إصابتهم باضطرابات القلق، ما يدلّ على الارتباط بين القلق والصحة الجنسية للرجل.
ضغوط العمل والصحة الجنسية للرجل
أيضًا يمكِن أن تسبّب مشكلات العمل أو الضغوط المالية ضغوطًا نفسية كبيرة؛ إذ يُعدّ فقدان الوظيفة والضائقة المالية من العوامل التي قد تزيد احتمالية الإصابة بضعف الانتصاب.
وقد أشارت دراسة عام 2020 في مجلة "Adaptive Human Behavior and Physiology" إلى أنّ الرغبة الجنسية يمكِن أن تنخفض عندما يفقد الشخص وظيفته أو تكون وظيفته مُهدّدة.
الصحة الجنسية مرآة العلاقة الزوجية
قد تُسهِم مشكلات العلاقة بين الرجل وزوجته في مشكلات الصحة الجنسية، مثل ضعف الانتصاب، فقد أظهرت دراسة عام 2020 في مجلة "Adaptive Human Behavior and Physiology" أنّ تراكُم مشاعر الاستياء أو الإحباط بمرور الوقت في العلاقة يمكِن أن تؤثّر في الصحة الجنسية للرجل.
من ناحية أخرى، فإنّ الضعف الجنسي قد يُسهِم بذاته في مشكلات العلاقة الزوجية، ما قد يخلق حلقة مفرغة تستنزف الصحة الجنسية للرجل وكذلك العلاقة الزوجية.
وفي بعض الأحيان قد يميل أحد الشريكين أو كليهما إلى تجنّب الحديث بشأن مشكلة الضعف الجنسي؛ خوفًا من تفاقم الأمر، ولكن الحقيقة أن تجنّب المشكلة لا يحمي العلاقة، بل يعزّز الخلاف.
كيف يهيمن الاكتئاب على الأداء الجنسي؟
قد تظنّ أنّ الاكتئاب محصور في حُزن عميق وفقدان الشغف بالأنشطة التي كُنت تستمتع بها، ولكن الحقيقة أنّ الرجال قد يعبِّرون عن اكتئابهم في صورة مختلفة، مثل العدوان وسُرعة الانفعال والسلوكات العنيفة، بما قد يمتدّ أثره للآخرين.
بل إنّ الرجال المصابين بالاكتئاب أقل ميلًا للتواصل بشكلٍ إيجابي مع الزوجة والأطفال، وأكثر عرضةً لأن يكونوا سلبيين ومنسحبين، وفقًا لدراسة عام 2018 في المجلة الأمريكية لصحة الرجل.
إذًا ما مردود ذلك على الصحة الجنسية؟ ذكرت دراسة عام 2018 في مجلة الطب الجنسي أنّ المصابين بالاكتئاب كانوا أكثر عرضة للإصابة بضعف الانتصاب بنسبة 39% مقارنةً بغير المصابين بالاكتئاب، كما أنّ الضعف الجنسي ذاته قد يزيد خطر الإصابة بالاكتئاب بنسبة هائلة تصل إلى 192%.
قلق الأداء سبب غير مرئي لمشكلات الصحة الجنسية
قد لا يكون الرجل مكتئبًا وعلاقته بزوجته على ما يُرام، ولكن مع ذلك ينتابه بعض القلق بشأن العلاقة الحميمة، فقد يتوتر خوفًا من عدم قدرته على إرضاء الزوجة، ولكن هذا التوتر عند درجة مُعيّنة، قد ينعكس سلبًا على الأداء الجنسي.
فقد أظهرت دراسة عام 2019 في مجلة مراجعات الطب الجنسي أنّ قلق الأداء الجنسي يؤثّر في نحو 9% إلى 25% من الرجال، بما يُسهِم في حدوث مشكلات الصحة الجنسية، مثل سُرعة القذف وضعف الانتصاب النفسي.
العلاقة بين نمط الحياة والصحة الجنسية
قد لا يلقِي الرجل بالًا لنمط حياته اليومي، وكيف يؤثّر في صحته الجنسية، ونمط الحياة اليومي يتجاوز التوتر الذي يتعرّض له الرجل، ويمتدّ لتغذيته ونشاطه البدني ونومه وغير ذلك، كما يتضح فيما يأتي:
اللحوم الحمراء والمقليات: لذّة المذاق مقابل الصحة الجنسية
لا شكّ أنّ اللحوم الحمراء من أغنى مصادر البروتين، ولا يمكن للرجل الاستغناء عنها، ومع ذلك، فإنّ اللحوم الحمراء غنية بالدهون المشبعة، التي ثبت أنّها تزيد من خطر الإصابة بضعف الانتصاب، وفقًا لدراسة عام 2016 في مجلة "Nature Reviews Disease Primers".
ولذا ينبغي للرجل عدم الإسراف في تناول اللحوم الحمراء، لأنّ الكمية الزائدة من الدهون المشبعة تتراكم في الأوعية الدموية؛ مُسبِّبةً تصلّب الشرايين، الذي يجعل من الصعب على القلب ضخّ الدم في جميع أنحاء الجسم، بما في ذلك المنطقة التناسلية.
كذلك الأطعمة المقلية تحتوي على نسبة عالية من الدهون المشبعة، مثل البطاطس المقلية والدجاج المقلي، ولذا فإنّ الإفراط في تناولها قد يُسهِم أيضًا في مشكلة الضعف الجنسي.
الأملاح: مؤثّر خفي في القدرة الجنسية
يأتي معظم الصوديوم (الملح) الذي نتناوله من الأطعمة المُصنّعة والمُعبّأة مسبقًا. وتوصِي جمعية القلب الأمريكية بتناول 2,300 مجم من الصوديوم أو أقل يوميًا (يعادِل ملعقة صغيرة).
فالأشخاص الذين يستهلكون كمية كبيرة من الصوديوم، قد يزيد خطر إصابتهم بارتفاع ضغط الدم، الذي بدوره يزيد احتمالية الإصابة بضعف الانتصاب.
وقد أوصت جمعية القلب الأمريكية المصابين بارتفاع ضغط الدم بعدم تناول أكثر من 1,500 مجم من الصوديوم يوميًا.
المكتب: تأثير غير مباشر في الصحة الجنسية
تتطلّب الكثير من المهن الجلوس لساعات طويلة، وقد أشارت دراسة عام 2012 في مجلة الطب الجنسي إلى أنّه من بين الرجال الذين تقل أعمارهم عن 40 عامًا، كان أولئك الذين يعيشون نمط حياة قليل الحركة أكثر عرضة للإصابة بضعف الانتصاب، مقارنةً بمن يتمتّعون بنشاطٍ بدني.
كما أيّدت مراجعة عام 2018 للعديد من الدراسات في مجلة الطب الجنسي أنّ قلة النشاط البدني قد تسبّب ضعف الانتصاب عند الرجال.
النوم دليل جودة الصحة الجنسية
نعم قد يكون نومك مؤشرًا واضحًا على الصحة الجنسية؛ إذ إنّ اضطرابات النوم قد تُسهِم في مشكلات الصحة الجنسية.
فقد أشارت دراسة عام 2016 في مجلة "Aging Male" إلى أن 63% من الرجال الذين يعانون انقطاع التنفس الانسدادي في أثناء النوم يعانون أيضًا ضعف الانتصاب، ما يدلّ على أنّ الرجال المصابين باضطرابات النوم أكثر عرضة للإصابة بضعف الانتصاب.
كما بيّنت دراسة صغيرة عام 2011 في مجلة "JAMA Network" أنّ قلة النوم يمكِن أن تقلّل مستويات هرمون التستوستيرون عند الرجل، ما قد يسبّب أيضًا انخفاض الرغبة الجنسية.
كيف تستعيد السيطرة وتحمي صحتك الجنسية من العوامل الخفية؟
تبدأ حماية الرجل لصحته الجنسية بعلاج أي مرض جسدي أو نفسي، أو مشكلة صحية أخرى لديه، وبالتوازي مع ذلك المواظبة على نمط حياة صحي قدر الإمكان على النحو الآتي:
1. إدارة التوتر
يمكِن للعديد من التقنيات مساعدتك على الاسترخاء وتخفيف التوتر، وعلى رأسها التنفس العميق، واسترخاء العضلات التدريجي.
فقد ذكرت دراسة عام 2013 في مجلة "Andrologia" مشاركة الأشخاص في برنامج لإدارة التوتر مُدّته 8 أسابيع شمل تمارين التنفّس الحجابي واسترخاء العضلات التدريجي ومقابلات لتلقّي الدعم النفسي مع الآخرين، وأظهرت النتائج تحسّنًا كبيرًا في درجات التوتر وكذلك في وظيفة الانتصاب.
2. حلّ الخلافات الزوجية
إنّ التحدّث مع الزوجة وحلّ الخلافات العالقة من أهم الأمور التي ينبغي للرجل فعلها للمساعدة على تجنّب مشكلات الصحة الجنسية، بما يتضمّنه ذلك من مناقشة مشكلات الصحة الجنسية والسعي للوصول إلى حلٍ معًا.
3. التغذية الداعمة للصحة الجنسية
ليست كل الأطعمة على قدم المساواة فيما يتعلّق بالحفاظ على الصحة الجنسية، ويُعدّ رجيم البحر الأبيض المتوسط خيارًا جيدًا لدعم الصحة الجنسية للرجل، حسب دراسة عام 2016 في مجلة "Nature Reviews Disease Primers"، والتي تركّز على تناول:
- الفواكه والخضراوات.
- البقوليات.
- المكسرات.
- البذور.
- زيت الزيتون.
- منتجات الألبان بكميات محدودة.
- الأسماك والدواجن عدّة مرات في الأسبوع.
4. النشاط البدني
لا بُدّ من ممارسة التمارين الرياضية ولو لفترة قصيرة كل يوم، خصوصًا أنّ الجلوس لساعات طويلة يخصم من الصحة الجنسية للرجل على المدى الطويل.
ويمكِن للمصابين بضعف الانتصاب الاستفادة من التمارين المنتظمة لمدة 30 دقيقة في جميع أيام الأسبوع أو معظمها، مثل المشي أو الجري أو السباحة أو ركوب الدراجات، وفقًا لموقع "Healthline".
5. النوم الجيّد
يُوصَى باستشارة الطبيب في حالة المعاناة من اضطرابات النوم، وإلى جانب ذلك يُنصح باتّباع عادات نوم جيدة لتجنّب مشكلات النوم المؤثّرة في الصحة الجنسية للرجل، وذلك من خلال:
- النوم والاستيقاظ في نفس الوقت كل يوم.
- النوم في غرفة هادئة مظلمة.
- ممارسة التمارين الرياضية خلال النهار.
- تجنّب الكافيين والنظر إلى شاشة الهاتف أو الحاسوب مع اقتراب وقت النوم.
ختامًا لا ينبغي للرجل الاستهانة بنمط حياته اليومي، فربّما كانت قلة نومه أو الأطعمة التي يتناولها أو الخلافات العالقة مع زوجته المحرّك الخفي وراء مشكلات الصحة الجنسية، ويمكِن تفادي ذلك ابتداءً بنمط حياة صحي يراعِي التغذية الصحية والنوم الجيّد وتقنيات الاسترخاء والنشاط البدني ولو 30 دقيقة فقط كل يوم.
