كيف يتحكّم نمط حياتك في خصوبتك دون أن تشعر؟
التغذية والنوم والنشاط البدني ليست رفاهية، بل في عالم كثرت فيه من حولنا الأطعمة غير الصحية، وانخفضت عدد ساعات نومنا، وقلّت حركتنا مع زيادة العمل المكتبي، لا بُدّ من الانتباه إلى نمط الحياة؛ إذ إنّه يتسلّل رويدًا إلى صحتك، بل إلى أثمن شيء فيها وهو الخصوبة.
فقد يدفع المرء دون أن يدري ثمن نمط الحياة غير الصحي من خصوبته، ووسط كلّ ما يهدّد قدرة الرجل الإنجابية اليوم، فكيف يحمي الرجل نفسه من تأثير نمط الحياة على الخصوبة؟
كيف تؤثّر التغذية في خصوبة الرجال؟
يُعدّ النظام الغذائي الغربي من أكبر المؤثّرات السلبية في خصوبة الرجال، ويتّسم هذا النظام الغذائي بكثرة اللحوم والسكريات المضافة والأطعمة المصنعة، بالإضافة إلى انخفاض تحصيل الألياف ومضادات الأكسدة والدهون الصحية.
وقد ارتبط هذا النظام الغذائي بمجموعة من المشكلات الصحية التي قد تضرّ خصوبة الرجال، بما في ذلك أمراض القلب والسمنة ومرض السكري من النوع الثاني.
كما أشارت دراسة عام 2018 في المجلة الأوروبية لعلوم وتكنولوجيا الدهون إلى أنّ هذا النمط الغذائي بذاته قد يُضعِف خصوبة الرجال؛ إذ إنّ الأنظمة الغذائية الغنية بالدهون المشبعة والدهون المتحولة، قد تزيد الالتهابات والإجهاد التأكسدي في الجسم، وكلاهما معروف بإضراره بالحيوانات المنوية.
كما أشارت دراسة أخرى عام 2022 في المجلة الدولية للعلوم الجُزيئية إلى أنّ هذه العادات الغذائية السيئة تتعارض مع وظيفة الميتوكوندريا في الحيوانات المنوية، ما يقلّل من طاقتها وحركتها وقدرتها على تخصيب البويضة.
خصوبتك من عدد ساعات نومك
بينما تنام لتريح جسمك، يعِيد الجسم ذاته هيكلة نفسه من الداخل، ويجدّد ما أمكن من طاقته، كي تستيقظ نشيطًا في الصباح، وليست الحيوانات المنوية استثناءً من هذا الأمر.
فعملية تكوين الحيوانات المنوية تستغرق نحو 64 إلى 72 يومًا، وهذا يعني أنّ عادات النوم التي لديك اليوم ستظهر في جودة الحيوانات المنوية بعد نحو شهرين من الآن.
فما لم تكُن تنام جيدًا، فقد تتعطّل مسارات التمثيل الغذائي وقد يزداد توترك، بما يؤثِّر سلبًا في إنتاج الحيوانات المنوية.
وقد أظهرت مراجعة عام 2022 في مجلة "Frontiers in Public Health" أنّ أنماط النوم المتقطّعة غالبًا ما تكون موجودة لدى الرجال الذين يعانون مشكلات في الخصوبة، وهذا أمر شائع بين العاملين بنظام المناوبات أو من يعانون الأرق المزمن.
كما دلّت بيانات المراجعة على أنّ انخفاض جودة النوم أدّى إلى انخفاض عدد الحيوانات وضعف حركتها.
ولا يعني ذلك أنّ ليلة سيئة واحدة قد تسبّب عقمًا دائمًا، ولكن تراكُم قلة النوم يومًا تلو الآخر على مدى أسابيع أو أشهر، قد يخلق البيئة المثالية لإضعاف جودة الحيوانات المنوية.
العلاقة بين التوتر وجودة الحيوانات المنوية
كذلك قد يترك التوتر بصمته على خصوبتك، فهو ليس انفعالًا عابرًا يسري في النفْس بلا أثر، بل إنّ الخصوبة مرهونة بصحتك النفسية أيضًا.
فقد وجدت دراسة دنماركية عام 2016 في مجلة "Fertility and Sterility" أنّ المشاركين الذين لديهم أعلى مستويات من التوتر، كان لديهم تركيز أقل من الحيوانات المنوية بنسبة 38%، وانخفاض إجمالي عدد الحيوانات المنوية بنسبة 34%، وانخفاض حجم السائل المنوي بنسبة 15%، مقارنةً بالمشاركين الآخرين الذين لديهم مستويات معتدلة من التوتر.
النشاط البدني وخصوبة الرجل
للنشاط البدني تأثيره في الخصوبة أيضًا، فلا يستوي من يمارس التمارين الرياضية بانتظام بمن يعيش نمط حياة قليل الحركة، سواء على مستوى الصحة العامة أو الخصوبة.
فقد أشارت دراسة عام 2020 في مجلة "Journal of Endocrinological Investigations" إلى أنّ ممارسة التمارين الرياضية بانتظام قد يعزّز مستويات التستوستيرون؛ الهرمون المُحرِّك لإنتاج الحيوانات المنوية لدى الرجال.
ولكن مع ذلك ينبغي الحذر من الإفراط في ممارسة الرياضة، وإلّا أتت بنتيجة عكسية على خصوبة الرجل؛ إذ بيّنت مراجعة عام 2023 في المجلة العالمية لصحة الرجال أنّ الإفراط في ممارسة الرياضة قد يؤثّر سلبًا في خصوبة الرجال.
التدخين قاتِل صامت للحيوانات المنوية
من الشائع معرفة أثر التدخين في صحة الرئتين أو خطر الإصابة بالسرطان، ولكن تأثيرها في الحقيقة يتجاوز ذلك بكثير؛ إذ يمتدّ لما هو أخصّ وظائف الرجال؛ الإنجاب.
التدخين وتركيز الحيوانات المنوية
كما أظهرت دراسة عام 2016 في المجلة الأوروبية لجراحة المسالك البولية أنّ التدخين يمكِن أن يقلّل بدرجة كبيرة من تركيز الحيوانات المنوية، بل إنّ المدخنين بشراهة قد يعانون انخفاض تركيز الحيوانات المنوية بنسبة 19%، مقارنةً بغير المُدخّنين.
التدخين وحركة الحيوانات المنوية
كذلك أظهرت الدراسة نفسها أنّ قدرة الحيوانات المنوية على الحركة بفعالية للوصول إلى البويضة وتخصيبها، تتأثّر بالتدخين؛ إذ أظهر المدخّنون فرقًا متوسطًا في الحركة بنسبة 3.48%.
التدخين وتشوه الحيوانات المنوية
تتأثّر بِنية وشكل الحيوانات المنوية بالتدخين؛ إذ أظهرت دراسة عام 2024 في مجلة "Fertility Science and Research" أنّ متوسّط الحيوانات المنوية ذات الشكل الطبيعي لدى المدخنين يبلغ 2.7% تقريبًا في مقابل 3.5% تقريبًا لدى غير المدخّنين.
هل الحيوانات المنوية معصومة من التدخين الإلكتروني؟
عادةً ما يُظنّ أنّ التدخين الإلكتروني بديل أكثر أمانًا من السجائر، ولكن الحقيقة أنّه أيضًا مُضر لخصوبة الرجال، ولكنها قد تكون أقل ضررًا من التدخين التقليدي في بعض الجوانب.
فقد بيّنت دراسة عام 2025 في مجلة "Scientific Reports" أنّ مستخدمي السجائر الإلكترونية لديهم حركة حيوانات منوية تقدمية أعلى مقارنةً بالمدخّنين التقليديين، بالإضافة إلى معدّل مواليد أحياء يبلغ 56% مقابل 41% للمدخنين التقليديين.
كذلك فإنّ السجائر الإلكترونية تحتوي على النيكوتين، الذي قد يتسبّب في انخفاض مستويات هرمون التستوستيرون وانخفاض إنتاج الحيوانات المنوية.
كما أشارت دراسة عام 2025 في مجلة "Communications Biology" إلى أنّ التعرّض للنيكوتين يخفض مستويات جزيئات الطاقة ATP في الخصية، ويُسهِم في ضعف تكوين الحيوانات المنوية.
كيف يترك مكان العمل بصمته على خصوبتك؟
يمكِن للمستويات العالية من التوتر والاحتراق النفسي في العمل أن تضرّ خصوبة الرجل أيضًا من ناحية:
- اختلال التوازن الهرموني: يتسبّب التوتر في ارتفاع مستويات الكورتيزول، ما يخفض هرمون التستوستيرون ويقلّل إنتاج الحيوانات المنوية.
- الإجهاد التأكسدي: يتسبّب التوتر المزمن في إطلاق أنواع الأكسجين التفاعلية التي يمكِن أن تلحق ضررًا بالمادة الوراثية للحيوانات المنوية وتُضعِف حركتها.
- عوامل نمط الحياة: كثيرًا ما يؤدي التوتر إلى قلة النوم وتناول طعام غير صحي، وقلة ممارسة التمارين الرياضية، وكلّ ذلك يؤثّر سلبًا في جودة الحيوانات المنوية.
كيف تحمي نفسك من تأثير نمط الحياة على الخصوبة؟
كلّ ما سبق من تغذية أو نوم أو نشاط بدني أو تدخين أو بيئة العمل يترك أثرًا قليلًا أو كبيرًا على خصوبتك، ولذلك فإنّ عيش نمط حياة صحي هو المفتاح الأول للحفاظ على خصوبتك وتحسينها، ومن الأمور التي قد تساعدك على ذلك:
1. النظام الغذائي الصديق للحيوانات المنوية
ثمّة عناصر غذائية مُفيدة أكثر من غيرها للحيوانات المنوية، مثل:
- أحماض أوميجا 3 الدهنية: تدعم بِنية أغشية الخلايا المنوية وتساعد على تقليل الالتهاب، ومن أهم مصادرها الأسماك الدهنية، مثل السلمون، وبذور الكتان والمكسرات.
- الزنك: ضروري للحفاظ على توازن مستويات التستوستيرون وإنتاج الحيوانات المنوية، ويتوافر في المحار وبذور اليقطين.
- فيتامين هـ والسيلينيوم: من مضادات الأكسدة التي تحمي الحيوانات المنوية من التلف.
ولكن من بين الأنظمة الغذائية الأكثر دراسة للصحة العامة والخصوبة رجيم البحر الأبيض المتوسط، الذي يركّز على تناول:
- الفواكه والخضراوات الطازجة.
- الحبوب الكاملة والبقوليات.
- زيت الزيتون؛ مصدر أساسي للدهون.
- تناول الأسماك باعتدال.
- كمية محدودة من اللحوم الحمراء والأطعمة المُصنّعة.
ويُعدّ هذا الرجيم غنيًا بالألياف والدهون الصحية ومضادات الأكسدة، ولم يرتبط فقط بتحسين صحة القلب والدماغ، بل أيضًا بتحسين جودة السائل المنوي، حسب دراسة عام 2022 في المجلة الدولية للعلوم الجُزيئية.
2. النوم الجيّد
من الصعب تغيير عادات النوم، ولكنّها في النهاية تستحق بذل الجهد، ليس لإراحة جسمك فقط، بل للحفاظ على خصوبتك أيضًا، وفيما يلي بعض النصائح التي تساعدك على النوم 7 - 9 ساعات كل ليلة:
- حاول أن تنام وتستيقظ في الوقت نفسه كل يوم، حتى في عطلات نهاية الأسبوع.
- حاول أن تقضي 8 ساعات على الأقل في السرير، حتى لو كُنت لا تنام طوال تلك المُدّة، لأنّ الراحة الهادئة قد تساعد على خفض مستويات الكورتيزول (هرمون التوتر) لديك.
- تجنّب استخدام هاتفك أو الجهاز اللوحي قبل 60 دقيقة من النوم، لأنّ الضوء الأزرق المنبعِث من الشاشات قد يوقِف إنتاج الميلاتونين؛ هرمون النوم الضروري لنومٍ عميقٍ وصحي.
- تجنّب تناول الكافيين بعد الساعة الثانية ظهرًا، لأنّ الكافيين قد يستغرق ساعات في الجسم حتى يتخلّص منه الجسم تمامًا، ومِنْ ثمّ فقد يؤثّر في جودة نومك ليلًا كُلّما تناولت فنجان قهوتك متأخرًا خلال اليوم.
- النوم في غرفة هادئة مظلمة لا تتجاوز درجة حرارتها 18 درجة مئوية، ولا تقل عن ذلك.
- استشارة الطبيب في حالة المعاناة من اضطرابات النوم، لتفادي تأثيرها في خصوبتك.
3. تجنّب التوتر كلّما أمكن
القلق العابر طبيعي، ولكن إذا كان التوتر غالبًا على يومك وحياتك، فهُنا لا بُدّ من وقفة أمامه، وهذه بعض النصائح التي تساعدك على تقليل التوتر:
- ممارسة تقنيات الاسترخاء، مثل التنفس العميق، أو قراءة كتاب.
- المشي في الخارج يوميًا.
- اكتسب عادة تدوين اليوميّات.
- ممارسة التمارين الرياضية بانتظام دون إفراط.
- الحصول على قسطٍ كاف من النوم كل ليلة.
- تقليل أعباء العمل بتفويض بعض المهام إلى الآخرين، أو الرجوع إلى المدير لشرح ما تمرّ به وحاجتك إلى تقليل عبء العمل.
4. تقليل التدخين أو الإقلاع عنه
من الضروري محاولة الإقلاع عن التدخين في أقرب وقت ممكن، ليس للحفاظ على صحتك فحسب، بل أيضًا لحماية الحيوانات المنوية وقدرتك على الإنجاب؛ إذ تبدأ صحة الحيوانات المنوية في التحسّن في غضون ثلاثة أشهر من الإقلاع عن التدخين، حسب دراسة عام 2022 في المجلة الدولية لأبحاث العجز الجنسي.
في النهاية ليست الأمراض وحدها ما يضعِف خصوبة الرجل، بل المؤثِّر الأول هو نمط حياتك وما تفعله كل يوم، والطعام الذي تتناوله، وعاداتك اليومية وما إلى ذلك، وإنّ الوقاية من الأمراض والحفاظ على الخصوبة يبدآن من نمط الحياة الصحي.
