الاحتراق الوظيفي: كيف تحمي نفسك من الاستنزاف النفسي؟
كثيرًا ما يُقال "العبرة بالنهايات"، فبينما يجد الرجل نفسه شُعلة نشاط عندما يبدأ وظيفة جديدة أو منصبًا مرموقًا، يخبو نشاطه بمرور الوقت، وربّما صارت الوظيفة الجديدة روتينًا، وهذا طبيعي في كثيرٍ من الأحيان.
ولكن ألا يمكِن أن يكون الرجل قد استُنزِف تمامًا من الناحية الذهنية والعاطفية، مع الأعباء اليومية للعمل، فضلًا عن أعباء الحياة اليومية والمسؤوليات الأُسرية.
أمورٌ كثيرة وتغيّرات أكثر تدور في النفْس، ولكن قد يكون أثرها في الخارج أكبر مما نظنّ أو نتوقّع، وتظلّ المشكلة قائمة بل تتفاقَم، ما لم تُعرَف أولًا كي يتمكّن الرجل من حلّها، فلماذا قد يقع الرجل فريسة لهذا الاحتراق الوظيفي؟ وكيف يحمي نفْسه مع مسؤولياته الثقيلة كل يوم؟
ما هو الاحتراق الوظيفي؟
الاحتراق الوظيفي هو حالة من الإرهاق العاطفي والجسدي والنفسي الناجِم عن الإجهاد المُفرِط والمُطوَّل؛ إذ تشعر حينها بأنّك مُستنزَف عاطفيًا، ولا تقدر على تلبية المطالب المستمرّة، سواء في العمل أو العلاقات أو الحياة الشخصية.
كما يؤدِّي الاحتراق الوظيفي إلى تقليل الإنتاجية واستنزاف طاقتك، ما قد يتركك تشعر بالعجز واليأس والاستياء بصفةٍ متزايدة، وبالنهاية قد تشعر بأنّه ليس لديك ما تقدِّمه.
ما أنواع الاحتراق الوظيفي؟
ثمّة أربعة أنواع للاحتراق الوظيفي، والتي تضمّ حسب "Webmd":
1. الاحتراق الوظيفي الناجم عن الحمل الزائد
عندما تعمل بجد أكثر فأكثر، وتحترق في سعيك لتحقيق النجاح، فربّما تصل، ولكن ماذا عن حالتك النفسية والعاطفية وقت الوصول؟ إذا انخرطت في هذا الأمر، فقد تكون مجازفًا بصحتك للوصول إلى النجاح؛ إذ قد ينجم الاحتراق الوظيفي عن هذا السعي المحموم.
2. الاحتراق الوظيفي الناجم عن قلّة التحدّيات
يمكِن للشعور بعدم التقدير والملل أن يُفضِي إلى الاحتراق الوظيفي؛ إذ قد لا توفِّر وظيفتك فرصًا للتعلّم أو مجالًا للنموّ المهني، فإذا شعرت بأنّك لا تواجِه تحدّيات كافية، فقد تنأى بنفسك وتتجنّب المسؤوليات؛ منتهيًا إلى الاحتراق الوظيفي.
اقرأ أيضًا:ليسا وجهين لعملة واحدة.. ما الفرق بين الاحتراق النفسي والاكتئاب؟
3. الاحتراق الوظيفي الناجم عن الإهمال
يحدث هذا عندما تشعر بالعجز، فإذا لم تسِر الأمور على ما يُرام، فقد تعتقد أنّك غير كفء أو غير قادر على مواكبة مسؤولياتك. ويرتبط هذا النوع من الاحتراق الوظيفي بما يُعرَف "بمتلازمة المحتال"، وهي متلازمة نفسية، تجعلك تشكّ في قدراتك أو مواهبك أو إنجازاتك.
4. الاحتراق الوظيفي المعتاد (المزمن المتكرر)
هي المرحلة الأخطر من الاحتراق الوظيفي؛ إذ يكون التعب الجسدي والذهني مزمنًا، فقد تشعر بالحزن ويتغيّر سلوكك، وفي بعض الأحيان قد يُصِيبك اكتئاب أو تراودك أفكار انتحارية. ومن الضروري طلب المساعدة في هذه المرحلة.
أسباب الاحتراق الوظيفي عند الرجال
في الأصل أُطلِق مُصطلَح الاحتراق الوظيفي أو الاحتراق النفسي على التوتر المرتبط بالعمل فقط، ولكن يرى عديد من علماء النفس أنّ الاحتراق الوظيفي هو أي نوع من الحالات طويلة الأمد والمُجهِدة للإنسان.
وتضمّ عوامل الحياة والعمل، التي يمكِن أن تُسهِم في الاحتراق الوظيفي:
- أعباء العمل التي لا يمكِن إدارتها.
- المعاملة غير العادلة في العمل.
- الخلط بين مسؤوليات العمل.
- عدم التواصل أو تلقِّي الدعم من المديرين.
- الضغط الهائل على الموعد النهائي لتسليم مهام العمل المطلوبة.
- أعباء هائلة من العمل، أو عدم توافر ما يكفي من الوقت للراحة.
- الإحساس بأنّ العمل أو الحياة خارجة عن سيطرتك.
- الإحساس بأنّك غير مُقدَّر أو لا يُلاحَظ مجهودك.
- الملل أو العمل الروتيني، أو حتى الفوضوية في العمل أو الأعمال ذات التوتر المرتفع.
- تحمّل أعباء كثيرة من العمل دون طلب مساعدة من الآخرين.
- قلة النوم.
- قلّة العلاقات الداعمة في محيطك.
- بعض السمات الشخصية، مثل الكمالية أو التشاؤم أو الحاجة إلى السيطرة.
مراحل الاحتراق الوظيفي التي يمرّ بها الرجل
لا يحدث الاحتراق الوظيفي عند الرجل بين عشيةٍ وضُحاها، وإنّما يتراكم الأمر تدريجيًا مثل كرة الثلج الآخذة في الانحدار.
وقد توصّل اثنان من علماء النفس؛ هما "جيل نورث" و"هربرت فرويدنبرجر" إلى 12 مرحلة من الاحتراق النفسي على النحو التالي:
1. الحاجة المُلحّة لإثبات نفسك
في هذه المرحلة المبكّرة، قد ترِيد أن تقوم بعملٍ جيد إلى حد الكمال؛ خوفًا من عدم تلبية ما طُلِب منك.
2. العمل بجدية أكبر
قد تشعر بالحاجة إلى القيام بكل شيءٍ بنفسك، وإكمال المهام في أسرع وقتٍ ممكن.
3. إهمال احتياجاتك
قد تظنّ أنّ ضغوط العمل أمر طبيعي، بينما تهمِل حياتك الاجتماعية وتنظر بازدراءٍ إلى الآخرين الذين يسعون إليها، وربّما تبدأ في ارتكاب أخطاءٍ صغيرة في العمل.
4. زيادة النزاعات الشخصية
أيضًا قد تزداد النزاعات مع زملاء العمل، أو الأصدقاء، أو حتى شريك الحياة. كما قد تُحرَم عيناك من النوم الجيّد، أو قد تعاني أعراضًا جسدية أخرى، أو ربّما تلحظ أنّك كثير النسيان.
5. مُراجعة القِيم
ترى الأشياء من حولك بمنظورٍ مختلف الآن، وتبدأ في أن تكون غير حسّاس تجاه الآخرين من حولك، كما يُصبِح الأصدقاء والعائلة ثانويين بالنسبة إلى أهدافك.
6. الإنكار
تتسرّب المرارة والتهكّم إلى داخلك، وتبدأ في عزْل نفسك عن الآخرين، فتصبِح قليل الصبر، وقليل التسامح، وسريع الغضب، كما قد يتراجع أداؤك، وربّما تشعر بآلام جسدية.
اقرأ أيضًا:بين ضغوط الحياة والعمل.. كيف يحافظ الرجل الناجح على صحته النفسية؟
7. الانسحاب
يصير التعامل مع الآخرين عبئًا عليك، فقد تغضب إذا انتقدك شخص ما، وقد تشعر بالارتباك أو العجز، وقد يلجأ بعض الناس إلى إدمان المواد غير القانونية لمعالجة أنفسهم مما حلّ بهم.
8. تغيّرات سلوكية
اللامبالاة هي عنوان اللحظة الراهنة، فما عاد شيءٍ يهمّك، وقد تكون أكثر ميلًا إلى تجنّب المسؤوليات الإضافية.
9. تبدّد الشخصية أو الانفصال عن الذات
قد تبدأ في فقدان الشعور بهويتك، وترى نفسك بمثابة الوعاء الذي يتم من خلاله إكمال العمل والمسؤوليات. قد تشعر بأنّ حياتك لا معنى لها، وربّما يكون إهمال الصحة جزءًا من تلك المرحلة أيضًا.
10. الفراغ
بعد تبدّد الشخصية، يبدأ الشعور بالفراغ، أو الإرهاق والقلق، وربّما يحلّ الذعر ضيفًا ثقيلًا على مشاعرك.
11. اليأس
مع الفراغ وتراكُم مشاعر كراهية الذات أو الاكتئاب أو حتى الأفكار الانتحارية، فإنّ اليأس قد يكون نتيجة منطقية.
12. الاحتراق النفسي التام
هي المرحلة الأخيرة من الانهيار العاطفي والعقلي، والذي يتطلّب رعاية فورية، لا تحتمل أي تأجيل.
خطوات التعافي من الاحتراق الوظيفي
لم يفُت الأوان بعد، ولا يزال بمقدورك أن تتسلّم زمام المبادرة قبل أن يلتهم الاحتراق الوظيفي هويتك وذاتك تمامًا، وفيما يلي بعض الخطوات العملية لتجنّب الاحتراق الوظيفي وفقًا للجمعية الأمريكية للأطباء النفسيين:
1. ضع حدودًا صارمة
الحدود ضرورية ليس للتعافي فحسب، بل أيضًا للوقاية من حبائل الاحتراق الوظيفي ابتداءً، فالحدود تحمي وقتك وطاقتك، وتدّخرها لما هو أهمّ. ولوضع حدودٍ واضحة:
- حدّد أولويات مهامك الأكثر أهمية، وارفض المهام الأقل أهمية أو فوِّضها لغيرك.
- حدّد ساعات عملٍ واضحة والتزم بها، حتى لو كان ذلك يعني مقاومة الرغبة في العمل في وقتٍ متأخر؛ إذ ستنجِز مزيدًا منه عندما تكون بنشاطك الكامل في اليوم التالي على أي حال.
- خصّص وقتًا للاسترخاء وممارسة الهوايات خارج العمل.
2. إدارة التوتر
التوتر هو المصيدة التي تجرّ إلى الاحتراق الوظيفي، ولذلك فإنّ إدارة التوتر أمر ضروري للحفاظ على طاقتك الذهنية والحيلولة دون الاستنزاف النفسي والعاطفي، وفيما يلي بعض النصائح التي تساعدك على ذلك:
- ممارسة اليقظة اليومية، وذلك بمجرّد الجلوس بهدوء لمدة 5 إلى 10 دقائق (دون أن تنظر إلى هاتفك!).
- كتابة المذكّرات لتصفية ذهنك ومعالَجة التوتر الذي مررت به اليوم.
- ممارسة تقنيات الاسترخاء، مثل التنفّس العميق.
3. اعتنِ بنفسك
أنت إنسان بنهاية المطاف ولست آلة، وحتى الآلة تتطلّب عناية، فكيف بالإنسان؟ والرعاية الذاتية تشمل العناية بالصحة الجسدية والعاطفية والعقلية، وهذا يشمل:
- النوم الجيد: حاول أن تنام 7 - 9 ساعات كل ليلة، لضمان التعافي السليم والاستعداد بنشاطٍ جم لليوم التالي.
- التغذية: تناول وجبات غذائية متوازنة (مزيج جيّد من البروتينات أو الدهون الصحية أو الألياف)، لتثبيت مستويات الطاقة والحفاظ على استقرار المزاج.
- ممارسة الرياضية: حتى لو كان بالمشي 20 دقيقة فقط، فهي كفيلة بتقليل هرمونات التوتر وتحسين المزاج.
- العلاقات الاجتماعية: تواصَل مع أحبائك كي لا تكون فريسة للعُزلة، التي تفاقِم الاحتراق النفسي عادةً.
4. غيّر زاوية رؤيتك للأمور
ربّما أنت بحاجةٍ فقط إلى تغيير نظرتك إلى الأمور والمسؤوليات الملقاة على عاتقك، فبدلًا من النظر إلى المهام باعتبارها أعباءً، حاول أن تراها فرصًا للنمو، ومما قد يساعدك على ذلك:
- التركيز على الإيجابيات في عملك أو حياتك الشخصية.
- قسّم المهام الأكبر إلى أجزاءٍ أصغر يمكِن التحكّم بها.
- احتفل بالإنجازات الصغيرة لتبقى متحفّزًا وبدافعٍ أكبر للنجاح.
في النهاية، الاحتراق الوظيفي خطر صامت يحِيط بالرجل، يستنزفه تمامًا دون أن يشعر بينما يظنّ أنّه يحقّق نجاحات استثنائية في عمله، ولذلك فالتعافي والوقاية من هذا الاحتراق الوظيفي يتطلّب فهمًا دقيقًا له، ووضع حدود بين العمل والحياة الشخصية، مع العناية بالذات من الناحية الجسدية والعاطفية والعقلية.
