كيف تعزّز دروعك النفسية كي لا تستنزفك الأخبار السلبية؟
تحاصِرنا الأخبار السلبية اليوم أكثر من أي وقتٍ مضى، وبينما نراقب هواتفنا باستمرار، متطّلعين إلى أحدث الأخبار، تتآكل نفوسنا من الداخل، وتُستنزَف المشاعر في صورة حُزن أو قلق أو خوف من المجهول.
ولا يسع أي إنسانٍ أن يعيش بمعزلٍ عمّا يدور حوله في العالم، لكن من المهم التوازن بين متابعة الأخبار على سلبيتها وكارثيتها أحيانًا والحفاظ على الصحة النفسية؟
كيف يهيمن تسارُع الأحداث من حولنا على عقولنا؟
أحيانًا يبدو العالم من حولنا كما لو أنّه أزمات لا تنتهي، بين قضايا وصراعات عالمية مستمرّة وعدم استقرار اقتصادي واضطرابات سياسية، ما يجعلنا محاصَرِين دائمًا بالأخبار السيئة.
ومع الهواتف الذكية التي لا تفارق أيدينا ووسائل التواصل الاجتماعي التي لا ننقطع عنها ساعة، بات بمقدور المرء أن يعرف أحدث الأخبار على مدار الساعة، سواء أكانت أخبارًا إيجابية أم سلبية.
صحيح أنّ البقاء على اطّلاع بما يحدث في العالم أمر جيّد عمومًا، ولكن الانفتاح على معرفة كل الأحداث الجارية على مدار الساعة طوال أيام الأسبوع يعني أنّه لا يُوجَد سقف لكمية الأخبار التي نستهلكها.
ولذلك إذا وجدت نفسك تتصفّح الأخبار في وقتٍ متأخر من الليل أو تتساءل عمّا إذا كان يجب عليك التوقف عن قراءة الأخبار من أجل صحتك النفسية، فأنت لست وحدك على الأرجح.
فالتعرّض المستمرّ للأخبار قد يُسبِّب شعورًا بالإنهاك النفسي، ما يؤثِّر سلبًا على الصحة النفسية، فيشعر المرء بالاستنزاف العاطفي والقلق والعجز حتى الذنب والخوف.
العواقب النفسية للتعرض المستمر لأخبار الأزمات
يمكِن للتعرّض المستمر للأخبار السلبية أن يكون له تأثير مباشر في الصحة النفسية، حتى لو لم تكُن مرتبطًا بصفةٍ مباشرة في الأحداث التي تراها.
بل إنّ الحزن والقلق من العواقب المحتملة للتعرّض المستمر لهذا النوع من الأخبار، وقد تجد نفسك أيضًا تفعل أو تفكِّر أو تشعر بأشياء تجعل من الصعب التأقلم مع ما تراه، فمثلًا قد تقوم بما يلي:
1. التصفح المهلك
التصفّح المُهلِك "Doomscroll" هو قضاء وقت طويل في تصفح الأخبار السلبية التي قد تجعلك تشعر بالحُزن أو القلق أو الغضب.
وعادةً ما يحدث ذلك في وقتٍ متأخر من الليل أو عند الشعور بالتوتر، وربّما يبدو الأمر كأنّه محاولة لمواكبة ما يحدث في العالم، ولكن هذا قد يتركك محاصرًا بالقلق بدلًا من الاكتفاء بالاطّلاع فقط على الأخبار.
2. الإحساس بالعجز
يمكِن للصراعات والمعاناة التي يواجهها الناس في مختلف أنحاء العالم أن تجعلك تشعر بالعجز، فعندما لا تعرف ماذا تفعل حيال ما تراه من حولك، قد تشعر بالإنهاك النفسي والعجز كذلك.
3. اليأس
أظهرت دراسة عام 2022 في دورية "JMIR Mental Health" أنّ التعرّض اليومي للأخبار المؤلِمة يمكِن أن يُسهِم في الشعور باليأس، فقد تعتقد أنّ الأمور لن تتحسّن أبدًا أو أنّ أفعالك ليس لها وزن في الأمور الكبيرة التي تحدث في العالم، ما يتركك تشعر بالإحباط واليأس.
4. الشعور بالذنب
إنّ أخذ استراحة من سيل الأخبار المستمرّ أمر جيد لا شك، ومع ذلك فقد تشعر أيضًا بالذنب بسبب ابتعادك عن الأحداث العالمية، خصوصًا إذا كُنت معتادًا متابعة الأخبار باستمرار.
كيف تتابع الأخبار مع الحفاظ على صحتك النفسية؟
رغم الآثار غير الجيدة للأخبار السلبية بشأن ما يدور في العالم من حولك، فإنّه لا يزال من الممكن متابعة الأخبار مع الحفاظ على صحتك النفسية، وفيما يلي بعض النصائح التي تساعد على ذلك:
1. إدارة تعرّضك للأخبار
ضع في حسبانك أخذ فترات راحة منتظمة من تحديثات الأخبار ووسائل التواصل الاجتماعي، واتخذ قرارًا بشأن ما تُولِيه اهتمامك وضع حدودًا لنفسك إذا كُنت بحاجةٍ إلى ذلك.
وبإمكانك الاطلاع مرة واحدة يوميًا على مصدرٍ موثوقٍ للأخبار، ثُمّ التركيز على شيءٍ آخر تستمتع به.
2. إنشاء روتين
الروتين مُفِيد في تنظيم الحياة اليومية، خصوصًا خلال أوقات الاضطرابات، لذا حاول تخصيص وقتٍ في روتينك لشيءٍ تستمتع به ويساعد على الشعور بالاسترخاء كل يوم.
أيضًا يمكنك التفكير في تنظيم يومك من خلال الاستيقاظ والنوم في الوقت نفسه، وتحديد أوقات منتظمة لتناول الوجبات وممارسة الرياضة.
اقرأ أيضًا:الضغط النفسي عند الرجال: الأسباب الخفية وطرق التعامل معها
3. اعتنِ بجسدك وعقلك
أيضًا ينبغي عدم إهمال العناية بالجسم، وذلك من خلال تناول وجبات مغذّية، والحصول على قسطٍ كاف من النوم، وشُرب كثيرٍ من الماء، وهذا كلّه ضروري للعناية بجسمك وعقلك، خصوصًا خلال الأوقات الصعبة.
لا بأس أيضًا بقليل من الحركة كل يوم من خلال ممارسة التمارين الرياضية، مثل المشي أو الركض، أو لملمة شتات أفكارك من خلال تدوين اليوميات مثلًا، فكلّ ذلك يدعم صحتك في مواجهة الأخبار السلبية.
4. ارفق بنفسك
صحيح أنّ الشعور بالقلق أو الحُزن أو التوتر ليس مرضيًا، ولكن لا بُدّ أن تدرِك أنّ هذه المشاعر هي ردود فعل منطقية حال الاستجابة لأزمة أو كارثة.
ليس من الخطأ أن تشعر بذلك، ومن المهم أن تسمح لنفسك بتجربة ومعالجة المشاعر التي تشعر بها دون كبتها.
5. التواصل مع الآخرين
التواصل مع الآخرين ضروري لدعم صحتك خصوصًا خلال الأوقات الصعبة، بل إنّ مُجرّد قضاء الوقت مع أشخاص، مثل العائلة أو الزملاء أو الجيران، يمكِن أن يُحدِث فرقًا كبيرًا في حالتك المزاجية ويساعد على تقليل مشاعر التوتر أو القلق.
6. فكِّر في كيفية المساهمة
كُن على اطّلاع بالطرق التي قد تتمكّن من خلالها من دعم الآخرين خلال الأوقات الصعبة، وقد يشمل ذلك التطوع بوقتك أو التبرّع لجمعية خيرية، أو أن تكون لطيفًا مع جيرانك، أو أن تسأل شخصًا تهتم به عن أحواله، فهذا كلّه يمنحك إحساسًا بالهدف والأمل، ما يُشكِّل درعًا أمام المشاعر غير السارّة الناجمة عن الأخبار السلبية، وربّما يصير العالم مكانًا أفضل غدًا بما تُقدِّمه اليوم.
