الإجهاد المزمن غير الملحوظ: كيف يضرّ صحتك بصمت وكيف تتجنبه؟
هل تدرِك أنّ زيارتك الأخيرة لطبيب الأسنان قد تكون بسبب توتر مزمن غير ملحوظ؟ بل هل تعلم أنّ ألم العضلات المنتشِر لديك بلا سبب واضح قد يحمل الدلالة نفسها أيضًا؟ أو ربما نزلات البرد التي تكرّرت أخيرًا على غير العادة؟
ربّما يبدو المرء صلبًا في مواجهة الضغوط مهما طال أمدها، ولكن قد يئنّ الجسم من الداخل دون أن ندري، وربّما لا نلاحظ ذلك إلّا بعد فوات الأوان، وسقوط الجسم فريسة للأمراض الجسدية والنفسية، لذلك كيف ترصد الإجهاد المزمن غير الملحوظ؟ ولماذا لا نلاحظه؟ وكيف تتعامل معه؟
ما هو الإجهاد المزمن غير الملحوظ؟
الإجهاد أو التوتر هو استجابة الجسم الطبيعية للظروف أو الضغوط، سواء كانت خارجية، مثل فقدان الوظيفة أو الانفصال، أو داخلية، مثل الذكريات السلبية أو الحالة الذهنية السيئة.
ويحدث الإجهاد المزمن عندما تكون في حالة من التوتر لفترة طويلة من الزمن؛ إذ لا يحصل جهازك العصبي على فرصة للاسترخاء، وهذا الإجهاد المزمن، قد يجعلك معرضًا لحدوث مضاعفات صحية مختلفة، مثل الاكتئاب أو الألم المزمن أو مرض القلب.
أسباب الإجهاد المزمن
قد يحدث الإجهاد المزمن بسبب العديد من الضغوط المختلفة، مثل:
- فقدان الوظيفة.
- الطلاق والانفصال.
- صراعات متكررة مع صديق أو قريب أو زميل في العمل.
- المشكلات المالية.
- الانتقال من المنزل.
- بيئة عمل صعبة.
- العُقم.
- انعدام الأمن السكني.
وليس من الضروري أن يكون العامل المُسبِّب للإجهاد موجودًا حتى تستمر في التوتر، بل يمكِن أن يستمرّ التوتر المزمن حتى مع غياب العامل، كما في حالة الاحتراق النفسي لفترة طويلة بعد ترك وظيفة عالية الضغط.
لماذا لا نلاحظ الإجهاد المزمن؟
وفقًا للطبيب النفسي السريري المُعتمَد والحاصل على درجة الماجستير من جامعة شيكاغو والدكتوراه من جامعة تكساس الجنوبية الغربية "نيك ويجنال"، فإنّ ما قد يجعل المرء لا يلاحظ الإجهاد المزمن:
1. الانشغال القهري
الانشغال مفيد عمومًا للصحة النفسية، ولكن هناك شكل مُعيّن من أشكال الانشغال -الانشغال القهري- غير صحي، وغالبًا ما يكون السبب الجذري للإجهاد المزمن.
وببساطة فإنّ الانشغال القهري هو عندما تستخدم الانشغال وسيلةً لإلهاء نفسك عن القلق، ويروي الطبيب النفسي "نيك ويجنال" تجربته مع أحد عملائه:
"كان لديّ عميل أخبرني أنّه كان متوترًا لأنّه كان في اجتماعات طوال اليوم ولم يكُن لديه الوقت للتفكير أو القيام بعملٍ إبداعي. ولكن عندما أجرينا تجربة قصيرة لتفريغ جداول مواعيده لإتاحة وقت أكبر للتفكير والإبداع، أصبح أكثر توترًا لأنّه كان يعاني قلقًا عميقًا (معظمه خوف من الفشل) بشأن القيام بعمل إبداعي طموح. وعلى مرّ السنين، طوّر دون وعي عادة الانشغال المزمن من أجل الهروب من قلق وقت الفراغ".
ولسوء الحظ، وكما هو الحال مع معظم آليات التكيّف، فإنّ الانشغال المزمن يقايض الراحة قصيرة المدى (فالانشغال يجعلك تشعر بالرضا مؤقتًا لأنّك تنجز مهام، لكنّه تخدير للأزمة الحقيقية) بالتوتر والقلق على المدى الطويل، لأنّه عندما تتجنّب مخاوفك، فإنّك تولّد قلقًا من القلق أو القلق المُركّب، وهو أكثر إرهاقًا على المدى الطويل.
2. الارتباك السببي
قد تسأل نفسك: أليس القلق هو السبب الجذري للإجهاد المزمن، لأنّ هذه هي النقطة الأساسية في الانشغال القهري؟ ولكن الحقيقة أنّ تجنّب القلق هو ما يسبّب الإجهاد المزمن وليس القلق نفسه.
ولتقريب الصورة، فالأمر ببساطة مماثل للإفراط في الأكل لتخدير الخوف من العلاقة الحميمة أو إرضاء الناس لتجنّب الخوف من الصراع.
فالرؤية الأكبر تكمن في النمط الأشمل:
القلق ← عادة التجنب ← الأعراض.
وقد يبدو الأمر كالتالي: الخوف من الفشل ← الانشغال القهري ← الإجهاد المزمن.
أو قد يكون: الخوف من الصراع ← إرضاء الناس ← الإجهاد المزمن.
لكن الشيء الأساسي الذي يجب رؤيته هنا هو أنّ الخوف ليس هو المشكلة الحقيقية، بل إنّ محاولة تجنّب الخوف (بالانشغال القهري مثلًا) هو الذي يمنعك في الوقت نفسه من معالجة الخوف بطريقة صحية، ويولّد التوتر المزمن.
ومن هذا المنظور، فإنّ تجنّب المشاعر هو السبب الجذري للإجهاد المزمن والقلق غير المحلول، لأنّه بينما قد يكون كلاهما نابعًا من الماضي، فإنّ سلوكاتنا في الحاضر هي التي تُبقِي عليهما وتجعلهما مستمرّين.
علامات تدل على إجهاد مستمر
وفقًا لموقع "Psychology today"، فإنّ هناك بعض العلامات الخفية للإجهاد المزمن، والتي من بينها:
1. مشكلات الأسنان
سواء كان ذلك متمثلًا في زيادة آلام الفك وتوتر العضلات بسبب الجزّ على الأسنان، أو في تسوس الأسنان الناجم عن تغيّر أنماط الأكل.
وغالبًا ما يرى أطباء الأسنان ردود فعل على التوتر بطرق قد لا يراها العديد من المرضى في أنفسهم.
هل جعلك العمل عن بُعد تتناول وجبات خفيفة على مدار الساعة، ما أدّى إلى تسوس الأسنان؟ هل أبلغتك زوجتك أنّك تبدو كأنّك تطحن أسنانك ليلًا؟ قد تؤدي هذه التغيرات الدقيقة إلى أضرار حقيقية، لذا من الضروري الانتباه إلى دلالتها.
2. الطفح الجلدي وحب الشباب
البشرة أكبر عضو في الجسم، وهي مرآة لما يحدث داخل الجسم أيضًا، فمع تغيّر عادات النظافة، قد يتغيّر روتين البشرة، بما قد يُسهِم في ظهور البثور أو جفاف الجلد المفرِط.
كذلك قد يفاقِم التوتر الإكزيما أو حتى الشرى، ما قد يسبّب الحكّة التي قد تفاقِم المشكلة أصلًا.
3. تساقُط الشعر
كذلك يمكِن للإجهاد المزمن أن يسبّب تساقط الشعر، لأنّ استجابة الجسم للإجهاد تدفع بصيلات الشعر إلى مرحلة الراحة، ومِنْ ثمّ فإنّ الشعر يكون أكثر عُرضةً للتساقط في وقت واحد، ما قد يؤدي إلى فقدان كتل كبيرة من الشعر في الوقت نفسه.
كذلك إذا تراجعت النظافة اليومية وتمشيط الشعر بسبب الضغط النفسي، فقد تنشأ تشابكات وتكتلات متشابكة تؤدي في النهاية إلى سحب كميات هائلة من الشعر عندما يُمشّط أخيرًا، خصوصًا لدى السيدات.
4. ألم العضلات
خلال أوقات التوتر الطويلة، قد تحافظ العضلات باستمرار على حالة من اليقظة المفرطة دون فرصة للاسترخاء، بل قد يشعر جسمك بالإرهاق التام، كما لو كُنت قد شاركت في ماراثون، أو حتى دخلت في شجار بالأيدي.
5. نزلات البرد المتكرّرة
العلاقة بين الجهاز المناعي والاستجابة للتوتر وثيقة، فعندما تعاني الإجهاد لفترة طويلة، فإنّ الجهاز المناعي لا يعمل بكفاءته القصوى، كما أنّ التأثيرات السلوكية للأوقات العصيبة، مثل قلة النوم أو عدم تناول الطعام جيدًا، قد تجعلك أكثر إرهاقًا، وتُضعِف الجهاز المناعي لديك، بما يجعلك أكثر عرضةً للمرض.
6. مشكلات الجهاز الهضمي
يحفّز الإجهاد المزمن ما يُعرَف "باستجابة القتال أو الهروب"، ومِنْ ثمّ يوقِف عملية الهضم (يعتقد الجسم أنّ هناك أشياء أهم للتعامل معها)، ما يعني أنّ غداءك قد يُترك جالسًا في بركة من حمض المعدة.
بل يمكِن أن يمتد تأثير التوتر متمثلًا في الغثيان وحرقة المعدة أو الإسهال أو الإمساك أيضًا.
طرق فعالة للتعامل مع الإجهاد المزمن
إذا تمكّنت من رصد الإجهاد المزمن لديك، فهذه بعض الطرق الفعالة لمساعدتك على التعامُل معه بطريقةٍ صحيحة:
1. التعرف على علامات الإجهاد المزمن
الخطوة الأولى هي اكتشاف العلامات التحذيرية للإجهاد المزمن مبكرًا، فهذا يساعد على طلب المساعدة قبل أن تخرج الأمور عن السيطرة، ويمكِنك استخدام مذكّرة تدوّن فيها الأعراض التي تلاحظها لديك.
2. دعم الأقران
يمكِن أن يكون دعم الأقران مفيدًا، سواء من خلال الانضمام إلى مجموعة دعم الأقران، أو قضاء بعض الوقت مع العائلة والأصدقاء بانتظام، فهذا يساعد على تقليل التوتر.
3. التعاطُف مع الذات
حاول أن تتقبّل ذاتك، وأن تتعاطف معها من خلال كتابة ثلاثة أشياء إيجابية عن نفسك، وثلاثة أشياء تشعر بالامتنان لها كل يوم.
4. حدّد أهدافًا قابلة للتحقيق
ينبغي أن تكون أهدافك واقعية، لا تتركك منهكًا ومرهقًا، لذا ضع حدودًا واضحة، سواء في العمل أو المنزل أو مع الأصدقاء إذا كُنت بحاجةٍ إلى ذلك.
5. التغيير
أحيانًا لا يكون هناك منفذ من الإجهاد المزمن إلّا بإحداث تغيير كبير، مثل ترك بيئة عمل سامة، لتقليل التوتر المزمن الذي لديك.
هل يمكن التخلص من الإجهاد المزمن نهائيًا؟
قد يكون من الصعب تخفيف الإجهاد المزمن، خصوصًا إذا لم يُعالَج لفترة طويلة. ومع ذلك، فمن الممكن إدارته بفعالية من خلال تغييرات صحية في نمط الحياة، مثل:
- الحصول على مزيدٍ من النوم.
- ممارسة الرياضة بانتظام.
- قضاء مزيد من الوقت مع أحبائك.
- تخصيص وقت للاسترخاء.
كما أنّ وضع الحدود في حياتك الشخصية والعملية يمكِن أن يساعد أيضًا على تقليل آثار التوتر طويلة الأمد.
