التوتر النفسي عند الشباب: هل الراحة ممكنة في عالم فوضوي؟
من الطبيعي أن تتوتّر بين الحين والآخر، خصوصًا إذا كُنت تستعد لإنجاز مشروعٍ ما، أو إذا كُنت مقبِلًا على حدثٍ جديد أو صفحة جديدة من حياتك.
ولكن شتّان بين التوتر العابِر، وبين أن تعيش في توترٍ دائم، يستهلك صحتك النفسية باستمرار، بل الجسدية أيضًا.
ويُعدّ الشباب في عالم اليوم من أكثر المُتعرّضِين لهذا التوتر اليومي، خصوصًا مع الضغوط الأكاديمية والاجتماعية والعائلية، ومن ورائها الأحداث العالمية أيضًا، فما علامات التوتر النفسي وأسبابه عند الشباب؟ وكيف يمكِن التنعّم بشيءٍ من الراحة في خضم تلك الفوضى؟
ما هو التوتر النفسي؟ ومتى يصبح مشكلة؟
التوتر استجابة بشرية طبيعية للضغط الذي تشعر به عندما تمرّ بموقفٍ صعب، وهذا التوتر يحفّزك على الاستجابة للتحدّيات والتعامل معها بأفضل شكلٍ ممكن، كما هو الحال عند الاستعداد لإنجازٍ مشروع مهم أو التجهّز لخوض اختبارٍ كبير.
ولكن يمكن للتوتر الشديد أن يُسبِّب مشكلات صحية سواء على مستوى الجسم أو النفْس، ولذلك يكون من الضروري بالنسبة للشباب إيجاد طرقٍ صحيحة للتعامل مع التوتر.
أسباب التوتر النفسي الأكثر شيوعًا عند الشباب
وفقًا لموقع "Health Central"، فإنّ من أسباب التوتر النفسي عند الشباب والمراهقين:
1. الضغوط الأكاديمية
يعاني الشباب مستويات عالية من التوتر النفسي، خصوصًا فيما يتعلّق باختبارات الجامعة؛ إذ يكونون قلقِين بشأن تلبية المتطلّبات الأكاديمية وإرضاء المُعلّمين ومواكبة زملائهم.
وربّما يتفاقم التوتر إذا لم يكُن الشاب متمتعًا بقدرٍ كافٍ من مهارات إدارة الوقت، أو إذا كان يعمل في وظيفة ما إلى جانب الضغوط الأكاديمية التي يواجهها.
2. الضغوط الاجتماعية
تعوّل المجتمعات على شبابها بالدرجة الأولى، ولكن يمكِن للمجتمع أو العلاقات الاجتماعية أن تكون مصدرًا من مصادر التوتر النفسي للشباب.
فمثلًا التنمّر والعدوان الخفي من بعض الأقران أو العلاقات الاجتماعية هي مصادر واضحة للتوتر في حياة الشباب.
كذلك فإنّ تعلّم كيفية إدارة الخلافات بطريقةٍ صحية، والنجاح في العلاقة الزوجية لاحقًا، إلى جانب ضغوط الأصدقاء ومحاولة الحفاظ على الصداقات، كلّها أمور تزيد التوتر، خصوصًا أنّ بعض الشباب قد ينخرطون في سلوكيات خارج مناطق راحتهم، فقط لإرضاء الآخرين.
اقرأ أيضًا:التوتر تحت السيطرة: 6 خطوات عمليّة للرجال لاستعادة التوازن النفسيّ
3. الخلافات العائلية
يمكِن لأي شيءٍ أن يؤثِّر في الأسرة، أن يؤثِّر أيضًا في الشباب، خصوصًا في سن المراهقة. فقد تؤدي التوقّعات غير الواقعية أو المشكلات الزوجية أو العلاقات المتوتّرة بين الأشقاء، أو الضغوط المالية في الأسرة، إلى ارتفاعٍ حاد في مستويات التوتر عند هؤلاء الشباب.
4. الأحداث العالمية
كذلك قد تُسهِم الحوادث الإجرامية أو الكوارث الطبيعية أو الأزمات السياسية حول العالم إلى زيادة التوتر بين الشباب، فغالبًا ما يكونون على اطّلاع على الأخبار على مدار 24 ساعة، وسماع الأخبار المخيفة يمكِن أن يجعل الشباب يتساءلون عن سلامتهم وسلامة أحبائهم وسط هذا العالم.
5. الأحداث العصيبة
يمكِن لوفاة أحد أفراد الأسرة أو الأصدقاء أو الحوادث أو المرض، أو التعرّض للإيذاء العاطفي أو الجسدي، أن يترك بصمة دائمة على مستويات التوتر لدى الشباب، فلا ينبغي الاستهانة بمثل هذه الأمور.
6. التغييرات الكبيرة في الحياة
كثيرة هي التغييرات التي تعصِف بحياة الإنسان، ولكن منها تغييرات كبيرة، مثل الانتقال إلى مسكن آخر أو الشروع في تكوين أسرة، أو انفصال الأبوين؛ فكلّها أمور قد تثِير التوتر لدى الشباب، وعدم معرفة كيفية التعامل مع التغييرات الكبيرة يمكِن أن يكون مربِكًا ومرهِقًا بالنسبة لهم.
اقرأ أيضًا:متلازمة ماري أنطوانيت.. هل يعيد التوتر تشكيل ملامحنا؟
ما أهم علامات التوتر النفسي عند الشباب؟
تضمّ أهم علامات التوتر النفسي عند الشباب، حسب جمعية علم النفس الأمريكية "APA":
1. سُرعة الانفعال والغضب
لا يمتلك الشباب دائمًا الكلمات لوصْف ما يشعرون به، وفي بعض الأحيان ينقلب التوتر مزاجًا سيئًا، وربّما يكون الشباب، خصوصًا المراهقين، الذين يعانُون التوتر، أكثر انفعالًا عن المُعتاد.
2. تغيّرات في السلوك
قد يلاحظ أن الشاب الذي كان نشيطًا في السابق لم يعد يرغب في الخروج من المنزل؛ فمثل هذه التحولات المفاجئة في السلوك قد تكون مؤشرًا على ارتفاع مستويات التوتر.
3. مشكلات النوم
يؤثِّر التوتر في النوم أيضًا، فقد يواجِه الشباب صعوبة في النوم ليلًا، أو ربّما العكس النوم أكثر من المُعتاد، وكلّ ذلك قد يكون انعكاسًا لحالة نفسية سيئة.
4. تغيّر عادات الأكل
سواء كان ذلك متمثلًا في الإفراط في تناول الطعام، أو تناول كمية قليلة جدًا من الطعام، فهذا قد يكون رد فعل للتوتر.
اقرأ أيضًا:زيادة الطاقة والتغلب على التوتر: مكملات أساسية لكل رائد أعمال
5. أعراض جسدية
يظهر التوتر في كثيرٍ من الأحيان على شكل أعراضٍ جسدية، مثل الصداع أو آلام البطن، أو غيرها من الآلام الجسدية التي ليس لها سبب واضح.
6. تجنّب بعض الأنشطة
قد يكون الشباب أكثر ميلًا إلى ممارسة كرة القدم أو غيرها من الألعاب، ويمكِن للتوتر أن يحرم الشاب من تلك المُتعة؛ إذ قد يتراجع أو يتجنّب ممارسة بعض الأنشطة، ويُفضِّل العُزلة في دليل واضح على أنّ التوتر قد غزا نفسه.
طرق عملية للتعامل مع التوتر اليومي
مواجهة التوتر اليومي للشباب ليس بالأمر العسير، ولكنّه يتطلّب بعض الصبر لاكتساب عادات صحية والقدرة على التأقلم مع التوتر وتقليل أثره على النفْس، وفيما يلي بعض النصائح لتحقيق ذلك:
1. دوِّن ما تشعر به
عادةً عندما تتوتّر، تمتلئ رأسك بآلاف الأفكار والمشاعر، ولذلك فإنّ كتابة اليوميات خيار مثالي لمعرفة ما تشعر به والتعبير عن مخاوفك، والمساعدة في معالجة مشاعرك.
خُذ قلمًا أو ابدأ في الكتابة على هاتفك لمدة 10 دقائق أو نحو ذلك، كما يمكنك حذف أو التخلّص من كلّ ما كتبته إذا رغبت في ذلك.
2. الأولوية للنوم الجيّد
بدلًا من أن تصفح هاتفك طوال الليل، احرص على أن تنام جيدًا، فالنوم أحد أفضل علاجات التوتر، ويُفضّل الذهاب إلى النوم مبكرًا، مع النوم 8 إلى 10 ساعات على الأقل كل ليلة.
وإذا لم يتيسّر ذلك، فيمكنك تخصيص بعض الوقت للقيلولة في فترة ما بعد الظهر، للمساعدة على مواجهة التوتر اليومي.
اقرأ أيضًا:توترك بالنهار قد ينقلب عليك ليلًا: ما هي أحلام التوتر؟
3. أرِح ذهنك
احرص على منح دماغك فترات راحة منتظمة، ولا يلزم أن تكون طويلة؛ فحتى بضع دقائق للتنفس العميق أو لتمديد الجسم قد تُحدث فرقًا ملحوظًا.
وتساعد فترات الراحة القصيرة تلك على تنظيم جهازك العصبي، وتتِيح لك الفرصة لمعرفة ما تشعر به قبل أن يتفاقم التوتر.
4. خُذ راحة من الشاشات
صحيح أنّ الهواتف الذكية لا يمكن الاستغناء عنها البتة في الحياة اليومية، ولكن يجب الانتباه إلى الوقت الذي تقضيه أمامها كل يوم، لأنّ الإفراط في استخدامها، قد يُسبِّب التوتر ويحرمك من النوم.
لذا حاول أن تضع حدودًا لوقت استخدامك لهاتفك الذكي، وابذل قصارى جهدك في عدم استخدامها قبل ساعة من النوم على الأقل، حتى تتمكّن من تهيئة نفسك للحصول على نومٍ عالي الجودة.
5. اخرج من البيت
إنّ قضاء بعض الوقت في الطبيعة من الوسائل الفعالة لتقليل التوتر وتحسين الصحة العامة؛ إذ بيّن بحث عام 2014 في المجلة الدولية للبحوث البيئية والصحة العامة أنّ الأشخاص الذين يعيشون في مناطق ذات مساحات خضراء أكبر، لديهم قدر أقل من الاكتئاب والقلق والتوتر.
متى يحتاج التوتر النفسي إلى تدخل متخصص؟
قد تنجح النصائح السابقة مع بعض الشباب، وقد لا تكون فعالة بالنسبة لآخرين، ولذلك فإنّ التوتر النفسي يتطلّب أحيانًا استشارة مُختص في الصحة النفسية، كما في حالة:
- ازدياد معدل التوتر.
- الشعور بالتوتر لفترة طويلة.
- تأثير مشاعر التوتر في صحتك الجسدية.
- تأثير التوتر السلبي في الحياة اليومية.
في النهاية، فإنّ التوتر النفسي مشكلة حقيقية تعصِف بنفوس الشباب اليوم، وربّما يصعب التغلّب على أسبابها، خصوصًا أنّ الأسباب مرتبطة بطبيعة الحياة المعاصرة للشباب، ولكن مع بعض الصبر والتزام العادات الصحية، يمكِن للشباب أن يتنفّسوا قليلًا من الراحة وسط عالمٍ مليء بأسباب التوتر المختلفة.
