كيف تعِيد الأزمات تشكيل أدمغتنا نفسيًا؟
لا تدوم الحياة على وتيرة واحدة، بل هي كالبحر بين هدوءٍ عميق وأمواج عاتية أو بينهما، فقد يمرّ اليوم بسلام، ولكن تأتي أزمة أو أزمات في اليوم التالي، سواء على الصعيد الشخصي أو الاجتماعي أو على نطاقٍ أوسع من ذلك.
ولا يستجيب كل الناس بالطريقة نفسها للحدث نفسه، بل تتفاوت استجابة كل إنسانٍ عن غيره، ولكنّها قد لا تخرج عن إطارٍ واحد في الغالب. لذا من المهم معرفة كيف تعِيد الأزمات تشكيل أدمغتنا نفسيًا؟ وهل من سبيلٍ للتأقلم واستعادة التوازن النفسي؟
كيف تؤثّر الأزمات والكوارث في الصحة النفسية؟
غالبًا ما يُظهِر المتضرِّرون من الأزمات أو الكوارث مجموعة واسعة من ردود الفعل النفسية والسلوكية والجسدية والعاطفية، ويُعدّ اضطراب ما بعد الصدمة والاكتئاب والقلق واضطراب التوتر الحاد واضطراب التكيف من أكثر التشخيصات شيوعًا في مثل تلك الظروف.
وقد يختلف تأثير الأحداث الكارثية على الصحة النفسية؛ إذ إنّ نسبة المتضررين الذين يُصابون بمشكلات مزمنة طويلة الأمد تقل عمومًا عن 10%، ونادرًا ما تتجاوز 30%، وفقًا للمركز الوطني الأمريكي لاضطراب ما بعد الصدمة.
بينما كانت التأثيرات المعتدلة - زيادة التوتر أو طول أمده، وقليل من الأمراض النفسية الدائمة- موجودة في 50% من العيّنات من الأفراد. وكانت النسبة لـ24% و17% من العينات، على التوالي، شديدة أو شديدة جدًا.
كذلك ترتبط الكوارث الطبيعية واسعة النطاق والكوارث التي يُسبِّبها الإنسان بمعدّلات أعلى وأطول أمدًا من مشكلات الصحة النفسية، مقارنةً بالكوارث الطبيعية الأكثر شيوعًا.
ما هو اضطراب ما بعد الصدمة؟
اضطراب ما بعد الصدمة هو اضطراب نفسي يُصاب به بعض الأشخاص بعد تعرّضهم لحادثٍ صادم، وقد يكون هذا الحدث مُهدِّدًا للحياة أو يُشكِّل تهديدًا كبيرًا على السلامة الجسدية أو العاطفية أو الروحية، حسب "Cleveland Clinic".
وقد يعاني المصابون بهذا الاضطراب مشاعر مكثّفة تتعلّق بالتجربة التي مرّوا بها، والتي تستمرّ لفترة طويلة بعد الحدث الصادم.
أهم أعراض اضطراب ما بعد الصدمة
لتشخيص اضطراب ما بعد الصدمة، يجب أن تستمر الأعراض لأكثر من شهر، وأن تُسبِّب ضائقة كبيرة أو مشكلات في الأداء اليومي. وتنقسم أعراض اضطراب ما بعد الصدمة إلى أربع فئات:
1. أعراض اقتحامية
- أفكار تقتحم عقلك، مثل الذكريات المتكرّرة وغير الإرادية.
- الكوابيس.
- استرجاع ذكريات الحدث الماضي، ويمكِن أن تكون حيّة جدًا وتبدو حقيقية.
اقرأ أيضًا:اضطراب ما بعد الصدمة "الكرب".. الأنواع والأعراض وطرق العلاج
2. أعراض تجنّبية
- تجنّب التذكير بالحدث المؤلِم، مثل الأشخاص والأماكن والأنشطة والمواقف.
- تجنّب التذكر أو التفكير في الحدث المؤلِم.
- تجنّب الحديث عمّا حدث أو ما تشعر به حيال ذلك.
3. تغيّرات في التفكير والمزاج
- الخوف المستمر، أو الرعب، أو الغضب، أو الشعور بالذنب أو الخجل.
- فقدان الذاكرة لجوانب مهمة من الحدث المؤلِم.
- الأفكار والمشاعر السلبية والمشوهة تجاه نفسك أو الآخرين.
- أفكار مشوهة بشأن سبب أو آثار الحدث التي تؤدِّي إلى إلقاء اللوم على نفسك أو الآخرين بشكلٍ خاطئ.
- عدم الاستمتاع بالأنشطة التي كُنت تمارسها من قبل.
- عدم القدرة على تجربة المشاعر الإيجابية.
4. تغيّرات في مستوى الاستثارة وردود الفعل
- الانفعال ونوبات الغضب.
- السلوك المتهوّر أو المدمّر للذات.
- الإفراط في الحذر من محيطك (فرط اليقظة).
- الفزع بسهولة.
- مشكلات التركيز أو النوم.
كيف تعِيد الأزمات تشكيل أدمغتنا من الناحية النفسية؟
لا يقتصر التغيير على تلك الأعراض الواضحة على الجسد أو فيما تشعر به بعد الأزمات، وإنّما قد يطال التغيير بِنية الدماغ وبيولوجيته، كما يتضح فيما يلي:
1. اللوزة الدماغية
اللوزة الدماغية (Amygdala) هي منطقة الدماغ التي تُشكِّل الاستجابة للتوتر، فهي تلتقط التحذير من المدخلات الحسية، مثل شيء تراه أو تسمعه، وتربطه بشيءٍ من ذاكرتك.
وردًا على الخطر المُتخيّل، فإنّه يُرسِل إنذارًا لتحذير بقية جسمك بأن هناك حاجة إلى إجراءات نفسية مختلفة، فمثلًا للدفاع عن نفسك، ينشط الجهاز العصبي السمبثاوي (تزداد سُرعة ضربات القلب ومعدل التنفس وما إلى ذلك).
وبمجرد زوال الخطر، تُرسَل إشارات جديدة لتهدئة كل شيء مرة أخرى.
ولكن حسب منظمة اضطراب ما بعد الصدمة في المملكة المتحدة "PTSD UK" فغالبًا ما يعاني المُصاب باضطراب ما بعد الصدمة المُعقّد نشاطًا مفرطًا في اللوزة الدماغية، وهو ما يمكِن كشفه من خلال فحوصات الدماغ.
وهذا يوضّح أنّ اللوزة الدماغية تكون حسّاسة للغاية أو تظلّ في حالة تأهّب قصوى لفترةٍ أطول مما ينبغي. وتتمثّل الأعراض في اليقظة المفرطة للخطر، أو رد الفعل العنيف تجاه التهديدات المُتصوَّرة، بما في ذلك سُرعة الفزع والبقاء في حالة قلقٍ دائمة.
اقرأ أيضًا:هل تعرف "اضطراب التكيف"؟ عندما يصعب التأقلم مع تقلّبات الحياة
2. الحُصين
يعمل هذا الجزء من الدماغ "الحُصين" (Hypocampus) جنبًا إلى جنب مع اللوزة الدماغية، فهو المكان الذي تُخزَّن فيه الذكريات، كما أنّ أنسجة المخ هي التي تفرِز الذكريات وتسترجعها.
ويمكِن أن يؤدي اضطراب ما بعد الصدمة إلى أن يكون هذا الرابط غير مستقر؛ فمثلًا عندما يسمع شخص لا يعاني هذه الحالة النفسية صوت انفجار قويّ، وعلى الرغم من أنّه يجعله يقفز فجأة، فإنّه في جزءٍ من الثانية يربط بينه وبين الألعاب النارية ويدرِك أنّ أحدها قد انفجر في مكان قريب.
وهُنا تُنقَل رسالة إلى اللوزة الدماغية؛ مفادها أنّ كل شيءٍ على ما يُرام، ومن المناسب البقاء هادئًا.
ولكن بالنسبة لشخصٍ تعرّض لصدمة سابقة نتيجة حدثٍ مشابِه فالأمر مختلِف؛ إذ قد يؤدِّي الصوت نفسه إلى حالة من القلق والخوف، واستدعاء الذكريات السيئة المتعلّقة بالصدمة.
وفي هذه الحالة لا يُزوِّد الحُصين اللوزة برسالة لتهدئة كلّ شيء، وإنّما تكون اللوزة في حالة تأهّب كما سبق شرحه.
ويُعتقَد أنّ هذا النوع من النشاط المستمر، يمكِن أن يقلّل حجم الحُصين، كما أنّ إعادة تجربة الصدمة يمكن أن يُسبِّب أعراضًا فسيولوجية أخرى، مثل التعرّق والأرق والصداع الشديد.
3. قشرة الفصّ الجبهي الإنسي
تتعامل قشرة الفصّ الجبهي -الموجودة في الجبهة- مع العواطف والاندفاعات، ومِنْ ثمّ فإنّ لها دورًا بارزًا في توجيه الأفعال أو السلوك.
وفي الظروف العادية، فإنّها تعمل جنبًا إلى جنب مع الحُصين، وتُرسِل إشارات إلى اللوزة الدماغية "لإيقاف تشغيل نظام الإنذار" عندما يهدأ الوضع، فهي بمثابة المكابح للاستجابات الجسدية للتوتر، ما يُطمئنك إلى أنّ كل شيءٍ على ما يُرام.
ولكن في حالة معاناة اضطراب ما بعد الصدمة، فإنّ هذا الجزء من الدماغ غالبًا ما يكون غير نشط؛ إذ يخبو أو يضعف نشاطه بسبب الصدمة، ويمكِن أن يظهر هذا في صورة انعزال الشخص أو سُرعة الانفعال، أو السلوكيات التجنّبية، أو الظهور بمظهر البارد عاطفيًا.
وهي آلية دفاعية لا إرادية، تخلق نوعًا من الخدر العاطفي، حتى لا تضطر إلى استرجاع المشاعر الشديدة التي أحدثتها الصدمة التي تعرّضت لها.
ولكن في الوقت نفسه، فإنّ تراجُع وظيفة قشرة الفص الجبهي الإنسي، يجعل الخوف هو العاطفة الغالبة، كما يُبقِي اللوزة في حالة تأهب قصوى.
والأهم من ذلك، أنّ الفصّ الجبهي هو جزء الدماغ الذي يتعامل مع المهارات اللغوية، ومِنْ ثمّ فإنّ إصابة الدماغ الناجمة عن اضطراب ما بعد الصدمة، يمكِن أن يؤدِّي إلى صعوبة في قدرة المرء على التعبير عن مشاعره وأفكاره.
اقرأ أيضًا:هل تُغيّرنا الصدمات؟ وكيف تؤثر التجارب القاسية على أدمغتنا ووعينا النفسي؟
كيف تتأقلم مع الأزمات وتستعيد توازنك النفسي؟
قد لا تقدر في كثيرٍ من الأحيان على الفكاك من الأزمات أو تأثيراتها النفسية التالية لها، ولذلك فإنّ التأقلم قد يكون هو الخيار الأوّل لاستعادة بعض التوازن النفسي، وذلك من خلال:
- فهم اضطراب ما بعد الصدمة، ومعرفة المزيد عنه.
- ممارسة تقنيات الاسترخاء اليومية، مثل التنفّس العميق.
- القيام بأنشطةٍ إيجابية.
- إنشاء روتين يومي لتنظيم أنشطتك.
- المواظبة على النشاط البدني اليومي.
- الحصول على قسطٍ كاف من النوم كل ليلة.
- اتباع نظامٍ غذائي متوازن، يحتوي على الفواكه والخضراوات والحبوب الكاملة والبروتين الخالي من الدهون والدهون الصحية.
- الحد من التعرّض لوسائل الإعلام السلبية.
- التحدّث مع اختصاصي صحة نفسية.
