ماذا يحدث لأجسام اللاعبين بعد 120 دقيقة من اللعب؟
120 دقيقة من الأعصاب المشدودة، والركض في أرجاء الملعب، والدفاع المستميت أمام الثلاث خشبات، وإمّا الفوز أو التوجّه إلى ركلات الحظّ الترجيحية التي تترك اللاعبين أمام اختيارين لا ثالث لهما؛ الفوز أو خسارة كلّ شيء.
ومن الطبيعي أن تُستنزَف أبدان اللاعبين وسط كلّ تلك الضغوط، فهم بشر وليسوا آلات، وإن كانوا يمارِسون تدريبات شاقّة للحفاظ على وتيرة أدائهم على مرأى عيوننا.
فمخازن الطاقة في عضلاتهم تنفد تمامًا في الأشواط الإضافية، كما أنّهم لا يتمكّنون من التعافي كما ينبغي بين المباريات المتتالية إذا خاضوا 120 دقيقة، ما يتركهم فريسة لإصابات قد تعطّل مشوارهم الكرويّ، فما الذي يحدث بالضبط لأجسام اللاعبين بعد 120 دقيقة من اللعب؟ وما الحلّ لمواجهة العبء البدني الزائد؟
لماذا يحدث الإرهاق البدني بعد 120 دقيقة من اللعب؟
من الطبيعي أن يشعر اللاعبون بالإرهاق بينما ينخفض أداؤهم بعد مرور 120 دقيقة من لعب كرة القدم، وقد يرجع ذلك إلى الأسباب الآتية:
1. استهلاك مخازن الجليكوجين
حسب دراسة عام 2022 في دورية "Medicine & Science in Sports & Exercise"، فإنّ مخازن الجليكوجين وكذلك مستويات الجلوكوز في الدم تنخفض بعد مرور 90 إلى 120 دقيقة من اللعب.
لذا فإنّ انخفاض أداء اللاعبين منطقي في الأشواط الإضافية؛ إذ لا يكون هناك ما يكفي من الجلوكوز لإنتاج الطاقة التي يحتاجون إليها لتقديم أفضل ما لديهم على أرض الملعب، كما أنّ الاعتماد على مخزون الجليكوجين لا يُسعِف اللاعبين؛ إذ يكون قد استنُزِف بالفعل.
2. زيادة مؤشّرات تلف العضلات
قيّمت دراسة أخرى عام 2023 في دورية "Research Quaterly for Exercise and Sport" اثني عشر لاعبًا أجروا تمرينًا خاصًا بكرة القدم بالاعتماد على جهاز المشي لمدة 90 دقيقة، ثُمّ بعد 9 أيام، لمدة 120 دقيقة، بغرض دراسة علامات تلف العضلات في الحالتَين.
ولم يكُن هناك فرق كبير في معظم العلامات الدالّة على تلف العضلات، ولكن لُوحِظ أنّ مستويات الكرياتين كيناز (مؤشّر رئيس على تلف العضلات) كانت أعلى بدرجةٍ ملحوظة بعد 24 ساعة و72 ساعة من المحاكاة التي استمرّت لمدة 120 دقيقة، مقارنةً بالتي استمرّت لـ90 دقيقة فقط.
ومع ذلك فإنّ الاختلاف في المقاييس الوظيفية للتعافي، مثل القوة وأداء الطاقة لم يكُن مختلفًا بدرجة كبيرة بعد 48 ساعة من كلّ تجربة.
كيف يؤثّر الوقت الإضافي في أداء اللاعبين؟
دلّت الأبحاث على أنّ اللاعبين يغطّون مساحة إجمالية أقل بنسبة 12% تقريبًا، وكذلك انخفاض المساحة التي يغطّونها بسُرعة عالية بنسبة 18%، كما أنّ سباقات السرعة (Sprints) تنخفض هي الأخرى بنسبة 23% تقريبًا، وذلك خلال الأشواط الإضافية، مقارنةً بزمن المباراة الذي لا يُجاوِز التسعين الدقيقة.
المستوى الفنّي.. ضحية أخرى للأشواط الإضافية
أيضًا على المستوى الفنّي، ذكرت دراسة عام 2014 في دورية "PLOS One" أنّ العدد الإجمالي للمراوغات الناجحة يقل بنسبة 36%، كما تنخفض التمريرات الناجحة بنسبة 31%، وإجمالي التمريرات ذاتها بنحو 30%، لذا فمن الجليّ أنّ اللاعبين لا يؤدّون بنفس المستويات خلال الأشواط الإضافية، مقارنةً بتسعين دقيقة من المباراة.
كيف يحاول اللاعبون الحفاظ على طاقتهم؟
غالبًا ما تكون وتيرة اللعب منخفضة في الوقت الإضافي، وقد تكون التكتيكات الدفاعية مُفضّلة تحسبًا لركلات الترجيح.
كذلك قد يعتمد اللاعبون على استراتيجيات غير مقصودة لتنظيم ضربات القلب؛ إذ يحاولون الحفاظ على طاقتهم وتقليل احتمالية إصابتهم، ومع ذلك فإنّ الانخفاض في الأداء خلال الأشواط الإضافية يُعزى بدرجة كبيرة إلى الإرهاق؛ إذ تكون النتيجة المتوقّعة أن يخفض اللاعبون وتيرة اللعب.
تبديلات الأشواط الإضافية والحفاظ على الأداء
كُلّما طال أمد المباراة، كان الإرهاق عقبة أمام اللاعبين تحجزهم عن تقديم أفضل ما لديهم، ومِنْ ثمّ فإنّ التبديلات خلال الوقت الإضافي هي سلاح الإدارة الفنية للفرق لمواجهة انخفاض الأداء؛ إذ إنّ اللاعبين الذين يدخلون الملعب خلال الوقت الإضافي، يُغطّون مساحات أكبر في الملعب، ويؤدّون عددًا أكبر من سباقات السرعة (Sprints)، حسب ما أشارت إليه دراسة عام 2020 في دورية "Science and Medicine in Football".
خطر الإصابات في الوقت الإضافي
لا تقتصر أخطار الوقت الإضافي على ما يفعله مؤقتًا، وإنّما مع تعاقُب المباريات، وقلّة المساحة الزمنية المُتاحة بينها، فإنّ اللاعبين لا يتمكّنون من التعافي كما ينبغي، ما يعيق أداءهم في المباريات المتتالية.
ففترة التعافي التي تبلغ 72 ساعة بعد مباراة مُدّتها 90 دقيقة قد لا تكون كافية لاستعادة سُرعة الركض الخطي البالغة 20 مترًا.
وغالبًا ما تكون الأشواط الإضافية واقعة ضمن جداول زمنية مزدحمة خلال البطولات، ما يضع عبئًا أكبر على تعافي اللاعبين.
فكُلّما طالت مُدة بقاء اللاعب على أرض الملعب، احتاج إلى فترة أطول للتعافي بعد مباراة ماراثونية بحجم 120 دقيقة، وهذا قد يزيد من خطر إصابته في المباريات اللاحقة، ومِنْ ثمّ فإنّ اللاعبين قد يعدّلون ممارسات التعافي التي يعتمدون عليها بعد المباريات التي استغرقت 120 دقيقة.
دور التغذية في أثناء المباريات الطويلة
بدهي أن تختلف التغذية المطلوبة لـ120 دقيقة من اللعب عن المباريات التقليدية، ومِنْ ثمّ فقد يستخدم اللاعبون المساعدات الغذائية المُولّدة للطاقة لتقليل إرهاقهم.
التغذية وتحسين دقّة المراوغات
بيّنت دراسة عام 2016 في دورية "Journal of Science and Medicine in Sport" أنّ المواد الهلامية الإلكتروليتية للكربوهيدرات التي تُتناوَل قبل الوقت الإضافي، أفضت إلى تحسين دقّة المراوغة بنسبة 29 ± 20% لدى لاعبي أكاديمية الدوري الإنجليزي الممتاز، رغم عدم وجود تحسّنات في القدرة البدنية.
كيف تحافظ التغذية على الأداء طوال 120 دقيقة؟
أيضًا قيّمت دراسة أخرى عام 2024 في دورية "Medicine and Science in Sports and Exercise" التعافي عند إكمال اللاعبين مباراتَين لكرة القدم مُدّة كل منهما 120 دقيقة، وقد تلقّوا خلالهما نحو 0.7 جم/كجم من مكملات الكربوهيدرات أو دواءً وهميًا في أربع نقاط زمنية للتعافي بين المباريات.
ودلّت النتائج على أنّ مكملات الكربوهيدرات أعادت الأداء ومستويات الجليكوجين في العضلات، وأخّرت ظهور آلام العضلات، وإن زادت علامات الالتهاب.
الكافيين.. هل يزيد فرص الفوز في الأشواط الإضافية؟
قد يتناول اللاعبون علكات الكافيين، وقد بحثت دراسة عام 2024 في دورية "International Journal of Sport Nutrition and Exercise Metabolism" آثار مكملات الكافيين خلال 120 دقيقة من التمرين؛ مُظهِرةً أنّ استهلاك 200 مجم (2.7 مجم لكل كيلوجرام من كتلة الجسم) من علكات الكافيين قبل خمس دقائق من الوقت الإضافي، أفضى إلى تحسين سُرعة رد الفعل، وإن قلّل من هدوء اللاعبين خلال الثلاثين دقيقة المتبقية.
تقنيات الاستشفاء بعد المباريات الماراثونية
تضمّ أهم وسائل الاستشفاء للاعبين بعد المباريات:
1. التغذية المُجدِّدة لمخازن الجليكوجين
تستغرق إعادة ملء مخازن الجليكوجين بالكامل من يومين إلى ثلاثة أيام، لذا يُنصَح اللاعبون بالحصول على نسبة تُقدَّر بثلاثة أضعاف من الكربوهيدرات مقارنةً بالبروتين في الوجبة الأولى بعد المباراة.
كما توصِي معظم أبحاث التغذية الرياضية بالحصول على نحو 1 إلى 1.2 جرام من الكربوهيدرات لكل كيلوجرام من وزن الجسم في الفترات الأولى بعد المباراة، ثُمّ الاستمرار في التغذية المتوازنة على مدى الـ48 ساعة القادمة.
وليس هُناك داعٍ لتعقيد الوجبات، بل يكفي البروتين الخالي من الدهون والكربوهيدرات المعقدة والخضراوات في كل وجبة خلال اليومين.
2. الترطيب بالماء والإلكتروليت
كذلك الترطيب مهم بنفس قدر التغذية؛ إذ ينبغي تعويض 150% من السوائل المفقودة في أثناء المباراة؛ أي ما يقرب من 1.5 لتر لكل كيلوجرام من وزن الجسم المفقود، ولن يفي الماء وحده بالمطلوب.
بل اللاعب بحاجةٍ إلى الإلكتروليتات، خصوصًا الصوديوم والبوتاسيوم، لاستعادة ما فُقِد خلال العرق، وقد يفي مشروب الإلكتروليت بتلك المهمة.
3. الغمر في الماء البارد
يساعد الانغماس في الثلج بعد مباريات كرة القدم على تقليل الألم، ويكفي فقط 10 إلى 15 دقيقة في درجة حرارة تراوح بين 10 إلى 15 درجة مئوية.
فالبرودة تُضيّق الأوعية الدموية، ما يقلّل الالتهاب ويمنع تراكُم مزيدٍ من السوائل في الأنسجة التالفة، وقد أشارت دراسة عام 2025 في دورية "Journal of Bodywork and Movement Therapies" إلى أنّ الضغط البارد يقلّل بدرجة كبيرة من التيبّس وكيناز الكرياتين (مركّب يدلّ على تلف العضلات) بعد 48 إلى 72 ساعة لدى لاعبي كرة القدم الهواة.
ولكن حمامات الثلج المنتظمة قد تعرقل تكيّف العضلات وتعافيها على الأمد الطويل، لذا ينبغي أن تُستخدَم بصورةٍ استراتيجية بعد المباريات، وليس عقب كل جلسة تدريبية.
ختامًا، من الطبيعي أن تهبط قوى اللاعبين تمامًا بعد 120 دقيقة من الركض المتواصل والضغط الذهني للفوز في مباراة مصيرية؛ إذ ينفد مخزون الجليكوجين، كما تزداد مؤشّرات التلف العضلي، ويتراجَع الجهد البدني والمراوغات وكلّ معايير الأداء الفني، ولذا فإنّ التغذية المتوازنة وإتاحة الوقت اللازم للاستشفاء ضرورة حقيقية لإنقاذ اللاعبين من الإصابات التي تكاد تفتك بهم.
