الاستشفاء العضلي: سرّ بناء العضلات وسرعة التعافي بعد التمارين
قد تشعر بألم يتسلّل إلى عضلاتك بعد جلسة تدريبات شاقة، وهو شعور طبيعي، خصوصًا أنّ ألياف العضلات يُعاد بناؤها لاحقًا، كي تتمكّن من النمو ويزداد حجم العضلات.
ولكن تحتاج العضلات إلى عناية مُخصّصة بعد أي روتين تدريبي، ليس فقط بإمدادها بما يكفي من البروتين، بل من خلال روتين الاستشفاء العضلي الذكي، الذي يهتمّ بالتغذية الشاملة والترطيب والنوم الجيد، لتسريع تعافي العضلات بعد التمارين، وتحقيق أقصى استفادة ممكنة من تدريباتك. وقبل كلّ ذلك ما الذي يحدث لعضلاتك تحديدًا بينما تتدرّب والذي يستدعي كلّ هذا الاهتمام بها؟
كيف تغيِّر الرياضة جسمك من داخله؟
من الطبيعي أن يمرّ الجسم بتغيّرات متنوعة خلال ممارسة التمارين، ولا يمكِن فصل بعضها عن بعض، وتشمل وفقًا لبحث عام 2018 في مجلة "International Journal of Sports Physiology and Performance" ما يلي:
- يحدث ضرر مجهري لألياف العضلات بسبب الانقباضات المتكررة خلال التمرين، ولكنها تصبِح أقوى بمجرّد إصلاح العضلات بعد التعافي.
- يزداد احتياج الجسم إلى الطاقة، ما يؤدي إلى انخفاض مخزون الجليكوجين (السكريات المُخزّنة في العضلات والكبد).
- يزداد إفراز هرمونات التوتر، ومِنْ ثمّ تعبئة موارد الطاقة وتعديل الاستجابات المناعية.
- ينشط الجهاز المناعي، واعتمادًا على شدّة ومدة النشاط المناعي، يُعبِّئ الجهاز المناعي الخلايا المناعية (ولكن بعد تمرين طويل أو شاق، فإنّه قد يثبّط بعض وظائف المناعة مؤقتًا).
وتُعدّ هذه التغيّرات الفسيولوجية ضرورية للتكيّف، ولكن إذا لم تُعوّض بالاستشفاء أو التعافي المناسب، فإنّها قد تترك الجسم في حالة طويلة الأمد من التعب.
ما هو الاستشفاء العضلي ولماذا هو مهم؟
يدخل الجسم في فترة تعافٍ مُعقّدة بعد التمرين؛ إذ يتعيّن عليه إصلاح الضرر الدقيق في الألياف العضلية، وإعادة بناء احتياطيات الجليكوجين وإدارة الالتهاب الذي بدأ.
وتؤدي عملية التعافي إلى تحفيز تخليق بروتين العضلات، بما يضمن إصلاح وإعادة بناء الأنسجة العضلية التالفة.
ولكن كي تكون عملية تخليق البروتين فعالة، يحتاج الجسم إلى البروتين، خصوصًا الغني بالأحماض الأمينية الأساسية، مثل الليوسين.
وتتكوّن عملية الاستشفاء العضلي من عدّة مراحل:
- مرحلة قريبة (أول ساعتين): يبدأ الجسم باستعادة الترطيب والإلكتروليتات وبدء الإصلاح العضلي.
- على المدى القصير (2 إلى 24 ساعة): يصل تخليق البروتين العضلي إلى أقصى مداه.
- على المدى الطويل (24 إلى 72 ساعة وأحيانًا أكثر): يحدث نموّ العضلات وتكيّفها، ولا يُنصَح عمومًا ببذل مجهود كبير خلال هذه الفترة.
وينبغي خلال هذه الفترات الحصول على التغذية السليمة والترطيب الضروري لإعادة بناء مخازن الجليكوجين وإمداد العضلات بما تحتاج إليه من البروتين، لتصبح أقوى وأكثر مرونة استعدادًا للتدريبات القادمة.
أساسيات الاستشفاء العضلي الذكي
هناك عوامل أساسية ينبغي وضعها في الحسبان للاستشفاء العضلي الذكي، منها:
1. البروتينات والأحماض الأمينية
البروتينات أساسية لتسريع التعافي العضلي، لأنّها تعوّض تكسير بروتينات العضلات الناجم عن ممارسة التمارين.
والبروتينات تتكوّن في الأساس من مجموعات من الأحماض الأمينية، التي يجب توفير بعضها عن طريق النظام الغذائي لأنّ الجسم لا يستطيع إنتاجها، وتُعرَف باسم "الأحماض الأمينية الأساسية".
ويأتي الحمض الأميني الليوسين على رأس القائمة؛ إذ ينبغي تناوله بكميات كافية، لأنّه يحفّز تخليق بروتين العضلات.
ولذا يُنصَح خلال فترة التعافي بتناول البروتينات الكاملة عالية الجودة وسهلة الهضم، مثل:
- بروتينات الحليب.
- اللحوم.
- البيض.
- الأسماك.
- مزيج من البروتينات النباتية.
وتحتوي بروتينات الألبان تحديدًا على نوعين من البروتين؛ مصل اللبن والكازين، وتُمتصّ كمية أكبر من مصل اللبن سريع الامتصاص، ما يعزّز التعافي السريع، في حين يُمتصّ الكازين بمُعدّل أبطأ، وهو ضروري أيضًا للتعافي المثالي.
2. الكربوهيدرات
كُلّما كانت التمارين الرياضة أكثر كثافة، استُنزِفت احتياطات الجليكوجين في العضلات والكبد بصورةٍ أكبر، ولذا من الضروري تجديد تلك المخازن.
كذلك فإنّ الجمع بين البروتينات والكربوهيدرات بعد التمرين، يحسّن إصلاح العضلات واستعادة الجليكوجين.
ولذا يُفضّل بعد التمارين الرياضية تناول الكربوهيدرات سريعة الهضم والامتصاص، مثل المكرونة أو الأرز أو الفاكهة.
3. الترطيب وتوازن الإلكتروليت
من الطبيعي أن يعاني الرياضي جفافًا بعد التعرق خلال أداء التمارين الرياضية، ولكن خطورة الجفاف في أنّه قد يزيد خطر الإصابة بتقلصات العضلات وإضعاف الأداء البدني، بسبب انخفاض حجم الدم وارتفاع درجة حرارة الجسم واختلال توازن الإلكتروليتات (المعادن).
وللتغلب على هذه التأثيرات، يساعد الترطيب بالمشروبات الرياضية التي تحتوي على الصوديوم والبوتاسيوم على تعويض الإلكتروليتات المفقودة بسبب العرق، وهو ما أشارت إليه دراسة عام 2007 في مجلة "Medicine & Science in Sports & Exercise".
كذلك فإنّ تناول كمية كافية من الإلكتروليتات يقلّل تلف العضلات المرتبط بالتمارين الرياضية، ويدعم التعافي من خلال الحفاظ على الوظيفة العصبية العضلية.
4. النوم الجيّد
رغم أنّ الاستشفاء العضلي يبدأ بمجرد انتهاء التمرين، فإنّ للنوم دورًا رئيسًا في تعافي العضلات؛ إذ ينتقل الجسم خلال النوم إلى وضع الإصلاح، لإعادة بناء العضلات عن طريق:
- زيادة إنتاج هرمون النمو: يفرِز الجسم هرمون النمو في أثناء النوم العميق، وهو هرمون يدعم إصلاح العضلات ونموها، كما يساعد على إصلاح التمزقات الدقيقة في ألياف العضلات.
- دعم تخليق البروتين: قد تؤدي قلة النوم إلى انخفاض قدرة الجسم على تخليق البروتين بعد التمرين، ولتعزيز هذه العملية، فإنّه يُنصَح باستهلاك 30 جرامًا من البروتين قبل النوم، لزيادة تخليق البروتين خلال النوم بنسبة تصل إلى 22%، حسب دراسة عام 2019 في مجلة "Frontiers in Nutrition".
- السيطرة على الالتهاب: يفرز الجهاز المناعي مواد كيميائية خلال النوم تساعد على السيطرة على الالتهاب وإزالة الفضلات التي تتراكم في العضلات في أثناء النشاط البدني.
أفضل طرق تسريع التعافي بعد التمرين
استنادًا إلى الأسس السابقة، فإن أفضل طرق تسريع التعافي بعد التمرين تشمل:
1. تناول ما يكفي من البروتين
يصلِح البروتين الألياف العضلية المتضرّرة جراء التمارين، وقد اقترح بحث عام 2017 في المجلة البريطانية للطب الرياضي أنّ استهلاك نحو 1.6 جرام من البروتين لكل كيلوجرام من وزن الجسم يوميًا يكفي لتحقيق أقصى قدر من نمو العضلات.
فيما تقترح الجمعية الدولية للتغذية الرياضية نطاقًا أوسع يراوح بين 1.4 - جرامين من البروتين لكل كيلوجرام من وزن الجسم يوميًا لبناء الكتلة العضلية والحفاظ عليها.
2. النظام الغذائي المتوازن
نعم البروتين ضروري وكذلك الكربوهيدرات لتجديد مخازن الجليكوجين، ولكن هذا لا يعني استبعاد العناصر الغذائية الأخرى؛ إذ إنّ نقص العناصر الغذائية قد يؤثّر سلبًا في قدرة عضلاتك على التعافي.
ولذلك ينبغي أن يكون النظام الغذائي متوازنًا على النحو الآتي:
- تقليل تناول الأطعمة فائقة المعالجة.
- الإكثار من تناول الفواكه والخضراوات.
- البروتينات الصحية، مثل الفاصوليا والبقوليات والدواجن الخالية من الدهون والبيض.
- الدهون الصحية للقلب، مثل زيت الزيتون والأفوكادو والمكسرات والبذور.
3. أخذ كفايتك من النوم
يحتاج معظم البالغين إلى نحو 7 - 9 ساعات من النوم كل ليلة، وقد يحتاج الرياضيون ومن يتدرّبون بكثافة عالية إلى ساعات نوم أكثر من المتوسط لضمان الاستشفاء العضلي وتحقيق أفضل أداء بدني.
4. شُرب ما يكفي من الماء
ينبغي للرياضيين لتجنب الجفاف شُرب 1.5 لتر من الماء لكل كيلوجرام يفقدونه في أثناء ممارسة التمارين الرياضية، وهو ما يعادِل 3 أكواب من السوائل لكل 0.45 كجم مفقود من الوزن.
5. التدليك
بيّنت مراجعة عام 2020 في مجلة "BMJ Open Sport & Exercise Medicine" أنّ التدليك له تأثير محدود ولكن مهم على تحسين المرونة وتقليل ألم العضلات الذي يحدث بعد التمارين الرياضية.
6. العلاج بالتبريد
يتضمّن العلاج بالتبريد تعريض الجسم لدرجة حرارة شديدة البرودة لبضع دقائق. وحسب دراسة عام 2017 في مجلة "Frontiers in Physiology"، فإنّ العلاج بالتبريد قد يسرع عملية التعافي عن طريق تقليل الألم والالتهابات وتعب العضلات بعد النشاط البدني الشاق.
هل المكملات تساعد في التعافي؟
نعم يمكِن لبعض المكملات الغذائية أن تساعد على التعافي العضلي، مثل:
1. الأحماض الأمينية متفرعة السلسلة (BCAA)
تُعدّ الأحماض الأمينية متفرعة السلسلة ضرورية خصوصًا لتعافي العضلات، وهذه الأحماض الأمينية هي:
- الليوسين.
- ايزوليوسين.
- فالين.
وحسب مراجعة عام 2021 في مجلة "Amino Acids"، فإنّ مكملات الأحماض الأمينية متفرعة السلسلة ساعدت على تقليل آلام العضلات بعد 24 إلى 72 ساعة من ممارسة التمارين الرياضية.
2. الكرياتين
يتكوّن الكرياتين من أحماض أمينية، وينتِج جسمك الكرياتين طبيعيًا بكمية تصل إلى جرام واحد يوميًا، كما يحصل على الكمية نفسها تقريبًا مما تأكله، وبعد ذلك يُخزّن معظم الكرياتين في العضلات لاستخدامه كطاقة لاحقًا، فالعضلات تستخدمه خلال الثواني القليلة الأولى من التمارين المكثفة.
ولذلك فإنّ إمداد العضلات بمزيدٍ من الكرياتين عن طريق المكملات الغذائية يمكِن أن يعزّز الطاقة خلال التمرين، كما يمكِن أن يقلّل التهاب العضلات، وهذا يساعد على تسريع التعافي العضلي، حسب دراسة عام 2021 في مجلة "Nutrients".
3. الإلكتروليتات
الإلكتروليتات هي مجموعة من المعادن التي تنظّم توازن السوائل في الجسم، فعندما تمارس الرياضة، تستخدم العضلات الإلكتروليتات للحصول على الطاقة، كما تفقد أيضًا بعض الإلكتروليتات من خلال العرق.
لذا يمكِن أن تساعد مكملات الإلكتروليتات على الحفاظ على رطوبتك وتجديد مخازن الطاقة لديك، بما يدعم إصلاح العضلات وتعافيها.
ختامًا، لا يقل التعافي العضلي أهمية عن نوع التدريبات التي تختارها لبناء العضلات، بل ربّما لا تكتمل الكتلة العضلية التي ترغب في بنائها إلّا بالتعافي الجيد من خلال تناول ما يكفي من البروتين والكربوهيدرات، وترطيب الجسم بالماء والإلكتروليتات، والنوم بالقدر الكافي بعد ممارسة التمارين الشاقة.
