جزيئات البلاستيك في كلّ شيء.. كيف يحمي الرجل خصوبته منها؟
يُطلَق في بيئتنا كلّ عام نحو 10 إلى 40 مليون طن من الجسيمات البلاستيكية الدقيقة، بل يُتوقّع أن يتضاعف الرقم بحلول عام 2040، حسب مجلة "Science".
ولكن ما الخطر في تناول الوجبات الجاهزة المُعبأة في حاويات بلاستيكية؟ وما المشكلة في طهي الطعام باستخدام أوانٍ بلاستيكية؟ بل ما الخطورة وراء الأقمشة الاصطناعية التي تُصنع منها ملابسنا؟
الخطورة في كلمة واحدة هي جسيمات البلاستيك الدقيقة، التي تقتحم أجسامنا، بل تبلغ الجهاز التناسلي؛ مؤثِّرةً في إنتاج هرمون التستوستيرون، وإنتاج الحيوانات المنوية، ووظيفة الخصيتين، فهل يمكِن تفادي تأثير تلك الجُسيمات الدقيقة التي لا تكاد تفارقنا؟
ما هي الجسيمات البلاستيكية الدقيقة (Microplastics)؟
الجسيمات البلاستيكية الدقيقة هي قطع صغيرة من المواد البلاستيكية، عادةً ما تكون أصغر من 5 ملليمترات، وتنقسم إلى فئتين رئيستَين:
الجسيمات البلاستيكية الدقيقة الأولية (Primary Microplastics)
تُطلَق مباشرةً في البيئة على شكل جزيئات صغيرة، وتمثّل نحو 15 - 31% من الجسيمات البلاستيكية الدقيقة في المحيطات، وتضمّ مصادرها الرئيسة:
- غسل الملابس الاصطناعية (35% من الجسيمات البلاستيكية الدقيقة الأولية).
- تآكل الإطارات في أثناء قيادة السيارات (28%).
- الجسيمات البلاستيكية الدقيقة المُضافة عمدًا في منتجات العناية بالبشرة.
الجسيمات البلاستيكية الدقيقة الثانوية (Secondary Microplastics)
تنشأ من تحلّل الأشياء البلاستيكية الأكبر حجمًا، مثل الأكياس البلاستيكية أو الزجاجات أو شبكات الصيد، وتمثّل 69 - 81% من الجسيمات البلاستيكية الدقيقة الموجودة في المحيطات.
كيف تقتحم الجسيمات البلاستيكية أجسامنا؟
حسب معاهد ولاية بنسلفانيا للطاقة والبيئة، فإنّ المُسهِمات الرئيسة في الجسيمات البلاستيكية الدقيقة الملابس الاصطناعية وإطارات السيارات، وغبار المُدن، وعلامات الطرق، والطلاءات البحرية.
كما تُعدّ الخرزات الدقيقة المُصنّعة مصدرًا آخر لتلك الجُسيمات، والتي تُستخدَم في منتجات العناية بالبشرة لخصائصها الكاشطة والمُقشّرة، كما أُبلِغ في الآونة الأخيرة عن وجود تلك الخرزات الدقيقة في التربة الزراعية والأسمدة العضوية، علاوة على أنّها استُخدِمت عمدًا في الأسفلت ومواد البناء لتعزيز خصائصها.
وهذا يعني أنّ الجسيمات البلاستيكية تحاصِرنا من كل حدب وصوب، ولكن كي تصل إلينا، فربّما عن طريق ما يأتي:
1. الابتلاع.. احترس مما تأكل
قد تُوجَد الجسيمات البلاستيكية الدقيقة في الأطعمة والمشروبات التي نتناولها من خلال العبوات البلاستيكية التي يُوجَد فيها الطعام أو الشراب، كما قد تُمتصّ الجسيمات البلاستيكية بوساطة المحاصيل المزروعة باستخدام تُربة أو أسمدة تحتوي على تلك المواد.
من ناحيةٍ أخرى فإنّ استخدام أواني طهي بلاستيكية أو غير لاصقة قد يؤدي إلى تلوث الطعام بتلك الجسيمات.
2. الاستنشاق.. حين يحمل الهواء جزيئات البلاستيك إليك
نظرًا لقدرة الجسيمات البلاستيكية الدقيقة على التحلّل إلى أحجامٍ صغيرة، فقد ينقلها الهواء، سواء كانت صادرة عن الغبار من المناطق الحضرية، أو الانبعاثات من المركبات والفرامل أو الرذاذ من المحيطات أو المسطحات المائية.
3. الجلد.. ثغرة قد تنفذ منها جسيمات البلاستيك
ملامسة الجلد أيضًا من طرق وصول تلك المواد البلاستيكية إلينا. صحيح أنّ الجلد يحمينا من الأجسام الغريبة ويحول دون اقتحامها أجسامنا، ولكن الجسيمات البلاستيكية الدقيقة قد تتسلّل إلى أجسامنا عبر بصيلات الشعر والغدد العرقية حتى الجروح الصغيرة.
كيف تتلاعب جسيمات البلاستيك الدقيقة بهرمون الذكورة؟
تتداخل مواد كيميائية كثيرة مع نشاط الهرمونات، وقد تُعطّل الغدد الصماء. والجُسيمات البلاستيكية الدقيقة قادرة على المرور عبر أغشية الخلايا، وتجاوز الحاجز الدموي الخصوي، والتفاعل مع مُستقبِلات الهرمونات، ومِنْ ثمّ تعطيل المحاور الرئيسة المتحكّمة في إفراز هرمون التستوستيرون، بما في ذلك:
- محور منطقة ما تحت المهاد والغدة النخامية والغدد التناسلية.
- محور منطقة ما تحت المهاد والغدة النخامية والغدة الكظرية.
كما أنّ السطح العريض والكارِه للماء لتلك الجسيمات الدقيقة يجعلها مناسبة لامتصاص عديد من الملوثات، بما في ذلك المعادن الثقيلة والمواد الكيميائية المُسبِّبة لاضطرابات الغدد الصماء، والتي قد تتراكم في أنسجة مختلفة من أجسامنا دون أن نشعر.
وقد أظهرت دراسة عام 2022 في دورية "Particle and Fibre Toxicology" أنّ تعرُّض الفئران للبوليسترين (من الجسيمات البلاستيكية الدقيقة الناجمة عن المنتجات الثانوية للبترول أو الغاز الطبيعي) على الأمد الطويل يمكِن أن يعرقل عمل الجهاز التناسلي؛ إذ كانت قادرة على تقليل مستويات هرمون التستوستيرون، وكذلك الهرمون الملوتن (LH)، والهرمون المُنبِّه للجريب (FSH).
كما بيّنت دراسة أخرى عام 2021 في دورية "Journal of Hazardous Materials" أنّه بعد تعرُّض الفئران لجزيئات البوليسترين على الأمد القصير، تراكمت جُزيئاته في خصيتَي الفئران، وتسبّبت هذه الجزيئات في انخفاض جودة الحيوانات المنوية وانخفاض مستويات هرمون التستوستيرون.
ماذا يحدث للخصيتين حين تصل الجسيمات البلاستيكية الدقيقة إليها؟
إلى جانب تأثُّر إنتاج هرمون التستوستيرون، فقد تؤثّر الجسيمات البلاستيكية الدقيقة في الخصيتين أيضًا من خلال:
1. تحفيز الإجهاد التأكسدي
تُولِّد المواد البلاستيكية الدقيقة جذورًا حرة تُلحِق الضرر بالميتوكوندريا (التي تولّد الطاقة داخل الخلايا)، كما توصّلت دراسة عام 2024 في دورية "Toxics" إلى أنّ التعرّض المزمن لجسيمات البلاستيك الدقيقة يقلّل من هرمون التستوستيرون عن طريق إتلاف الميتوكوندريا وتحفيز موت خلايا لايديغ.
2. تسريع شيخوخة الخلايا
أيضًا قد تُسرّع تلك المواد شيخوخة خلايا لايديغ؛ إذ أظهرت دراسة عام 2026 في دورية "Environmental Pollution" أنّ خلايا لايديغ تقدّمت في السن مبكرًا لدى الفئران التي تعرّضت لجزيئات بلاستيكية دقيقة، إلى جانب انخفاض مستويات هرمون التستوستيرون.
جودة الحيوانات المنوية.. هل تطالها الجسيمات البلاستيكية الدقيقة؟
تتأثّر عملية تكوين الحيوانات المنوية بما نتعرّض له في بيئتنا، وقد يؤدي التعرّض إلى مواد كيميائية مُعيّنة إلى إضعاف تكوين الحيوانات المنوية وتقليل أعدادها.
وحسب دراسة عام 2022 في دورية "Environmental Analysis, Health, and Toxicology"، فإنّ المواد البلاستيكية يمتصها جسم الإنسان بطرق مختلفة، وقد تعطّل عملية تكوين الحيوانات المنوية ووظيفتها.
كما أظهرت دراسة أخرى عام 2021 في دورية "Environmental Science and Pollution Research International" أنّ مادة البوليسترين يمكن أن تقلّل من عدد الحيوانات المنوية وحركتها وتزيد من الحيوانات المنوية غير الطبيعية، كما يمكِن للمسارات الجزيئية التي ينشطها البوليسترين أن يحفّز موت الخلايا المبرمج في الخلايا المنوية.
تأثير المواد البلاستيكية الدقيقة في المادة الوراثية للحيوانات المنوية
لا تضرّ المواد البلاستيكية عملية التكوين فحسب، بل قد تمتدّ لأهم جزء في الحيوان المنوي؛ مادته الوراثية؛ إذ أظهرت دراسة عام 2019 في دورية "Reproductive Medicine and Biology" أنّ التعرّض للجسيمات البلاستيكية الدقيقة كان مرتبطًا بتكسّر المادة الوراثية للحيوانات المنوية، ومن المعروف أنّ ذلك يُسبّب تشوهات في الحيوانات المنوية وكذلك يسبب خللًا في قدرتها على الحركة.
ماذا عن الرغبة الجنسية والانتصاب عند الرجل؟
ما دام قد تأثّر هرمون التستوستيرون، فمن الطبيعي أن يتبع ذلك تأثّر الرغبة الجنسية؛ إذ عادةً ما تنخفض مع انخفاض مستويات هرمون التستوستيرون.
وكذلك قد يتأثّر الانتصاب، فقد تؤدي المواد البلاستيكية الدقيقة إلى إتلاف البطانة الداخلية للأوعية الدموية وتقليل إنتاج أكسيد النيتريك، الذي يسمح باتساع الأوعية الدموية وتحسين تدفق الدم، ومِنْ ثمّ الانتصاب.
ويؤيّد ذلك مراجعة عام 2022 في دورية "Frontiers in Toxicology" التي أظهرت أنّ الجسيمات البلاستيكية الدقيقة قد تعطّل مسارات الإشارات الضرورية لوظيفة الأوعية الدموية والوظيفة التناسلية.
كيف تحد من تعرّضك للجسيمات البلاستيكية الدقيقة في حياتك اليومية؟
لا يزال من الممكن إنقاذ ما يمكن إنقاذه، وربّما تفِيدك النصائح الآتية في حماية خصوبتك من الجسيمات البلاستيكية الدقيقة التي تحيط بها من كل جانب:
1. تجنّب زجاجات المياه البلاستيكية
أثبتت الدراسات أنّ زجاجات المياه البلاستيكية المُخصّصة للاستخدام مرة واحدة يمكِن أن تعرّضنا لمزيد من جسيمات البلاستيك الدقيقة، بل قد يؤدي شُرب المياه المُعبّأة إلى إضافة نحو 6 أضعاف كمية المواد البلاستيكية الدقيقة إلى جسمك مقارنةً بمياه الصنبور، لذا يُفضّل الاعتماد على مرشحات المياه المنزلية بدلًا من زجاجات المياه البلاستيكية.
2. تجنّب الحاويات والأواني البلاستيكية
ثبت أيضًا أنّ حاويات الوجبات الجاهزة البلاستيكية تُلوِّث طعامك بجُسيمات البلاستيك الدقيقة، لذا احرص على تناول طعامك في المنزل كلما أمكن.
ارتبطت كذلك جميع الأواني والمواد البلاستيكية بزيادة التعرض للبلاستيك في المطبخ، مثل ألواح التقطيع والملاعق والأباريق والمقالي المطلية بمادة PTFE (المقالي غير اللاصقة).
ويُفضّل بدلًا منها الاعتماد على البدائل الخشبية أو الفولاذ المقاوم للصدأ أو السيراميك أو الزجاج.
3. الابتعاد عن البلاستيك عمومًا قدر الإمكان
البلاستيك يكاد يكون في كلّ شيء، كالأقمشة الاصطناعية، مثل البوليستر والنايلون والإسباندكس، التي تُطلِق جسيمات بلاستيكية دقيقة عند ارتدائها أو غسلها أو تجفيفها، وكذلك الألعاب البلاستيكية للأطفال، وربّما يكون الأمر صعبًا بالتأكيد، لكن حاول قدر الإمكان وابحث عن بدائل طبيعية أكثر، فربّما تحمي خصوبتك بالنظام الغذائي والتمارين الرياضية ونمط الحياة الصحيّ، ولكن لا تزال جسيمات البلاستيك الدقيقة تُضعِف خصوبتك يومًا وراء الآخر دون أن تشعر.
