لماذا لا يعمل دماغك بالطريقة نفسها بعد منتصف الليل؟
حذّر باحثون في علم الأعصاب من أن الدماغ البشري لا يؤدي وظائفه ليلاً بالطريقة نفسها التي يعمل بها خلال النهار، مشيرين إلى أن الساعات التي تعقب منتصف الليل تُحدث تحولات عصبية حقيقية تجعل الإنسان أكثر عرضةً للأفكار السلبية، وأضعف في مقاومة السلوكات الخطرة.
لماذا يجذب الدماغ المشاعر السلبية ليلًا؟
نشر فريق من الباحثين في دورية "Frontiers in Network Physiology" فرضية علمية أطلقوا عليها "Mind After Midnight"، أي "الدماغ بعد منتصف الليل"، تقول إن الجسم والعقل البشريَّين يعملان وفق دورة بيولوجية تمتد نحو 24 ساعة، لا تُحدد وقت الشعور بالتعب فحسب، بل تُعيد تشكيل المشاعر والميول السلوكية بالكامل.
وفقًا للفرضية، تشدّ المشاعر السلبية الانتباه أكثر من الإيجابية بعد منتصف الليل، وتبدو الأفكار الخطرة أكثر جاذبية، فيما تتراخى "المكابح" السلوكية التي تضبط الإنسان طوال النهار.
ويرى الباحثون أن لذلك جذورًا تطورية؛ إذ كان الإنسان القديم أكثر عرضةً للأخطار ليلاً، ما جعل دماغه يُطوّر يقظةً مفرطة للمثيرات السلبية في تلك الساعات.
غير أن هذه الآلية الوقائية باتت في سياق الحياة الحديثة تُغذّي نظاماً مختلاً للمكافأة والدافعية، يدفع الإنسان نحو سلوكات محفوفة بالأخطار.
تأثير الأرق على الأفكار الليلية
لا تقف تبعات هذا التحول العصبي عند حدود الأرق أو الشعور بالحزن. تُشير أبحاث إلى أن خطر إنهاء الحياة يرتفع ثلاثة أضعاف بين منتصف الليل والسادسة صباحًا مقارنةً بأي وقت آخر من اليوم.
وكانت دراسة أُجريت عام 2020 قد كشفت أن الاستيقاظ ليلاً يمثّل عاملاً يزيد من خطر الإقدام على إنهاء الحياة، وهو ما يرجّح ارتباطه باضطراب الإيقاع البيولوجي، أي الساعة الداخلية التي تتولى تنظيم دورات النوم واليقظة وإفراز الهرمونات في الجسم.
وعلى صعيد إدمان المواد، كشف بحث أُجري عام 2020 في مركز برازيلي لمراقبة تعاطي المواد الممنوعة أن خطر الجرعة الزائدة من المواد الأفيونية -وهي مواد مُسكِّنة قوية مشتقة من الأفيون- يرتفع ليلاً بمقدار 4.7 أضعاف مقارنةً بالنهار.
وقالت الدكتورة إليزابيث كليرمان، عالمة الأعصاب في جامعة هارفارد: "ثمة ملايين من البشر مستيقظون في منتصف الليل، وهناك أدلة وجيهة على أن أدمغتهم لا تعمل بالكفاءة نفسها التي تعمل بها نهارًا. رجائي هو المزيد من البحث في هذا الشأن، لأن صحتهم وسلامتهم، فضلاً عن سلامة من حولهم، تتأثر بذلك".
ويُقرّ الباحثون بأنه حتى اليوم لا توجد دراسات درست تأثير الحرمان من النوم واختلال الإيقاع البيولوجي على قدرة الإنسان في معالجة المكافآت واتخاذ القرارات، وهذا يعني أننا لا نعرف حقًا كيف يتعامل عمال الورديات الليلية -كالأطباء والطيارين- مع روتينهم النومي غير المعتاد، وما يُخلّفه على صحتهم النفسية على المدى البعيد.
