الإيماءات اليدوية.. كيف تساعد الدماغ على تخفيف العبء الذهني وتنظيم الأفكار المعقدة؟
قد يبدو الشخص الذي لا يستطيع الحديث من دون تحريك يديه وكأنه يبالغ في التعبير أو يستعرض أمام الآخرين، لكن أبحاث علم النفس تشير إلى تفسير مختلف.
ولا تؤدي الإيماءات دورًا في التواصل مع المستمع فقط، وإنما قد تساعد المتحدث نفسه على تنظيم أفكاره، خصوصًا عندما يحاول شرح أمور معقدة أو يصعب التعبير عنها بالكلمات وحدها.
لماذا نحرك أيدينا أثناء الحديث؟
ووفقًا لما نشره bolde، أشارت الباحثة سوزان جولدين-ميدو، عالمة النفس في جامعة شيكاغو، إلى أن البشر يستخدمون أيديهم أثناء الحديث حتى عندما لا يكون هناك من يراهم فالأشخاص يتحدثون بأيديهم أثناء المكالمات الهاتفية، أو حتى عندما يكونون بمفردهم.
ووجدت أبحاثها أن الأشخاص الذين ولدوا مكفوفين يستخدمون الإيماءات أثناء الكلام بمعدلات مشابهة للأشخاص المبصرين، رغم أنهم لم يروا الآخرين وهم يتحدثون بأيديهم.
وتكشف هذه الملاحظات أن حركة اليدين ليست مجرد وسيلة لشرح الفكرة للآخرين، بل قد تكون جزءًا من الطريقة التي يبني بها الدماغ الفكرة نفسها فعندما يحاول شخص شرح مكان قطعة أثاث، أو وصف حادث سيارة، أو ترتيب أحداث قصة، تتحول يده إلى وسيلة لرسم العلاقات والمسافات والتتابع في الهواء، بما يساعده على تثبيت الفكرة قبل تحويلها إلى كلمات.
متي تزيد الإيماءات؟
تظهر الإيماءات بصورة أكبر عندما تكون الفكرة أكثر صعوبة، أو عندما تتضمن أبعادًا مكانية، أو عندما يجد الشخص صعوبة في التعبير عنها لفظيًا.
وعند شرح طريق معين، تتحرك اليد وكأنها سيارة تسير في الشوارع وتنعطف عند التقاطعات، بينما تتحول الذراع أثناء وصف منزل أو شقة إلى خريطة غير مرئية تحدد أماكن الغرف والمداخل، ويظهر الأمر نفسه عند رواية حادث، إذ يمكن أن تمثل اليد سيارة وتوضح زاوية الاصطدام واتجاه الحركة وتوقيتها.
وفي المقابل، تقل الحاجة إلى الحركة عند الحديث عن أمور بسيطة أو أفكار لا تحتاج إلى تمثيل مكاني.
والأكثر إثارة أن الباحثين تمكنوا من رصد أثر الإيماءات على الذاكرة والتفكير ففي إحدى التجارب، طُلب من المشاركين شرح طريقة حل مسألة رياضية في الوقت الذي يحاولون فيه تذكر قائمة منفصلة من الكلمات، وعندما سُمح لهم بتحريك أيديهم، احتفظوا بعدد أكبر من الكلمات، بينما تراجع تذكرهم عندما طُلب منهم إبقاء أيديهم ثابتة.
وتشير هذه النتائج إلى أن اليدين قد تحملان جزءًا من العبء الذهني، ما يترك مساحة أكبر للدماغ لمعالجة معلومات أخرى، ولهذا فإن مطالبة شخص كثير الإيماءات بالجلوس بلا حركة أثناء شرح فكرة ما قد تؤدي إلى نتيجة عكسية، لأنك ربما لا تزيل مصدر تشتيت، بل تحرمه من أداة تساعده على التفكير.
الإيماءة لا تشرح الفكرة فقط
لا تعني النتائج أن كل حركة باليد لها وظيفة معرفية، فقد تكون بعض الإيماءات مجرد عادة أو وسيلة للتأكيد أو أسلوبًا شخصيًا في الحديث.
وفائدتها تختلف حسب طبيعة المهمة، إذ تبدو أقل أهمية عندما يكون التفكير قائمًا بالكامل على اختيار الكلمات.
لكن أبحاث جولدين-ميدو وزميلتها سيان بيلوك، من جامعة شيكاغو أيضًا، تشير إلى أن الإيماءات قد تتجاوز التعبير عن الأفكار لتؤثر في طريقة التفكير نفسها.
وأظهرت تجارب أن الأشخاص الذين استخدموا أيديهم أثناء الحديث عن حل لغز تعاملوا مع المشكلة بطريقة مختلفة عندما حاولوا حلها مرة أخرى.
وهنا تظهر الفكرة الأوسع: التفكير لا يحدث دائمًا داخل العقل أولًا ثم يتحول إلى حركة، وفي بعض المواقف، يمكن أن تكون الحركة نفسها جزءًا من عملية التفكير، بحيث تعمل اليد والدماغ معًا للوصول إلى الفكرة وتنظيمها.
لذا، عندما ترى شخصًا يشرح قصة وهو يرسم بأصابعه مسارات وأشكالًا في الهواء، قد لا يكون ما يفعله استعراضًا كما يبدو. ربما كانت يداه تحاولان الوصول إلى الفكرة قبل أن تلحق بها الكلمات.
