لغة الجسد الخفية: كيف تكشف طريقة المشي عن مشاعرك ولياقتك؟
تختبئ في أعماق حركاتنا اليومية تفاصيل دقيقة تعكس حالتنا الذهنية والبدنية بصورة لا نشعر بها.
فالطريقة التي نتحرك بها ليست مجرد رد فعل ميكانيكي، بل هي مرآة تعكس ما يدور في أذهاننا وما يدخل أجسادنا من غذاء، حيث تشير الدراسات إلى أن النمط المعيشي يتدخل بشكل مباشر في توجيه التعبير الجسدي عن العواطف.
علاقة المشي بالمشاعر الكامنة
أفادت دراسة علمية حديثة نُشرت في دورية "Experimental Brain Research" بأن طريقة المشي تُترجم المشاعر الداخلية للإنسان بوضوح، وهو ما يُعرف علميًا بمفهوم "Embodied Cognition" الذي يوضح التداخل العميق والوثيق بين العقل والحركة.
وأوضحت النتائج أن المشاعر الإيجابية تدفع الفرد عادةً إلى اتخاذ خطوات أسرع وأكثر ثقة، في حين ترتبط الحالات المزاجية المحبطة والسلبية بنماذج مشي أكثر بطئًا وحذرًا.
ويُعد المشي مساحة مثالية لفهم هذا التوازن العصبي والحركي، لكونه يجمع بين التلقائية التامة والحساسية الفائقة للمشاعر اللحظية.
وفي هذا السياق، قالت الدكتورة دانييل د. وادسبورث، مديرة مختبر الالتزام بالتمارين والوقاية من السمنة في جامعة أوبورن: "نعلم أن طريقة شعور الناس وطريقة تحركهم مرتبطان بشكل وثيق، لكننا لا نزال نعرف القليل جدًا عن العوامل التي تؤثر على هذه العلاقة".
ولفك أسرار هذا الارتباط، تتبع الباحثون مجموعة من المشاركين عبر اختبارات دقيقة لنمط الخطوات باستعمال حساسات تعمل بالأشعة تحت الحمراء، بالتوازي مع تحليل أسلوب حياتهم اليومي من حيث مستويات النشاط البدني، وجودة النوم، وطبيعة التغذية.
كيف تمنحنا الرياضة ثباتًا حركيًا؟
كشفت النتائج أن الرياضة المنتظمة تعمل كدرع متين يحمي الحركة من التقلبات العاطفية؛ فالأشخاص الأكثر نشاطًا حافظوا على إيقاع منتظم وتوقيت ثابت لخطواتهم مهما كانت درجة سعادتهم أو حماسهم.
ويرجع ذلك إلى أن ممارسة الرياضة تُكسب الجهاز العصبي استقرارًا أكبر في التحكم بالحركة، ما يجعل إيقاع المشي أكثر ثباتًا وأقل تأثرًا بالتقلبات المزاجية الطارئة أو المشاعر الإيجابية المفاجئة.
تأثير البروتين على نبرة الخطوات
كشفت النتائج عن بُعدٍ مفاجئ في الدراسة يتصل بالنظام الغذائي؛ إذ تبين أن زيادة استهلاك البروتين تجعل إيقاع طريقة المشي أكثر تأثرًا واهتزازًا عند التعرض للمشاعر السلبية.
وتعليقًا على ذلك، علّقت وادسبورث قائلة: "كانت هذه النتيجة من أكثر الأمور إثارة للدهشة؛ حيث عزز تناول البروتين العلاقة بين المزاج السلبي وإيقاع الخطوات بدلاً من إضعافها، ما يسلط الضوء على مدى تعقيد التفاعلات القائمة بين التغذية والمزاج والحركة".
ويرجّح الفريق العلمي أن الأحماض والعناصر الغذائية الناتجة عن هضم البروتين تدخل في تركيب النواقل العصبية المسؤولة عن تنظيم المزاج كالسيروتونين والدوبامين، وهو ما قد يزيد من استجابة المراكز الحركية في الدماغ للمشاعر المعكرة للمزاج.
وتفتح هذه الاكتشافات آفاقًا جديدة لرؤية الإنسان كمنظومة متكاملة تتداخل فيها التغذية مع الحالة النفسية والحركة البدنية؛ حيث تُعد كل خطوة حصيلة تفاعل دقيق بين ما يتناوله الفرد من غذاء، وما يمارسه من نشاط، وما يشعر به من عواطف، ما يمهد الطريق لجعل تحليل الحركة وسيلة مستقبلية قادرة على تقييم الصحة الشاملة بأسلوب أكثر عمقًا ودقة.
