هل تخطِّي وجبة الإفطار يهدد قدراتك العقلية؟
يتساءل كثير من الناس حول ما إذا كان ينبغي تجنب وجبة الإفطار، لاسيما مع اعتراف غالبية الطلاب في المحاضرات الصباحية المبكرة بإهمالها يوميًا.
ولا يقتصر هذا السلوك عليهم، بل يمتد إلى المنتديات الإلكترونية حيث يدعي الرياضيون، وخصوصا لاعبي بناء الأجسام، أن تخطّيها لا يضر الجسم أو يعيق بناء الكتلة العضلية.
ومن التفسيرات الغريبة الشائعة، الادعاء بأن أجدادنا القدامى من الصيادين لم يتناولوا الفطور لأنهم كانوا مضطرين للصيد فور استيقاظهم؛ وهي فرضية لا دليل عليها، إذ يرجح العلماء أنهم كانوا يتناولون بعض الجذور النيئة والمكسرات والبذور التي جمعتها النساء في اليوم السابق قبل الخروج للصيد.
واليوم، تبدو الأدلة العلمية دامغة على أن كل تلك الأساطير حول إهمال الوجبة غير صحيحة، وذلك وفقًا لتقرير منشور في "Psychology Today".
تأثير نوعية الفطور على الذاكرة والدماغ
يستند المؤيدون لفكرة التخلي عن وجبة الإفطار إلى حجة منطقية؛ وهي أن الفطور التقليدي يتسم بأنه غير صحي للغاية، وهو واقع لا يمكن إنكاره.
فهذه الوجبة الصباحية ليست سوى مزيج معقد من الدقيق المكرر، والدهون، والأملاح، والسكريات.
ومن هنا، تتمركز متاجر الكعك المقلي المحلى "الدونات" استراتيجيًّا على طول الطرق السريعة والمزدحمة المؤدية إلى مقار العمل؛ مستغلة حاجة الدماغ الملحة، فور الاستيقاظ، لامتصاص السكر ومادة "Lecithin"، وهي مكمل غذائي طبيعي غني بالأحماض الدهنية ومركب "الفوسفاتيديل كولين" الحيوي.
وأظهرت دراسة علمية منشورة في مجلة Science Direct أن الكثير من البالغين يترددون في إدراج البدائل الغذائية المفيدة، كالأطعمة المغذية والمطبوخة التي تُتناول عادة في وجبتي الغداء أو العشاء، ضمن خيارات وجبة الإفطار الصباحية، مفضلين النمط التقليدي السريع.
ومع ذلك، فإن تناول السكر صباحًا يعد أمرًا جيدًا بشكل مفاجئ، لكونه المغذي الوحيد الذي يستخدمه الدماغ سريعًا لإنتاج طاقة أدينوسين ثلاثي الفوسفات (ATP).
وتكمن أهمية ذلك في أن مخزون هذه الطاقة الحيوية يكون قد شارف على النفاد تمامًا عند الاستيقاظ، نتيجة المجهود الذهني الكبير الذي يبذله العقل في معالجة الأحلام خلال ساعات النوم الأخيرة.
فوائد السكر
وأكدت دراسات البروفيسور غاري وينك، أن السكر يعزز الإدراك والذاكرة مؤقتًا بارتباطه بمستوى الجلوكوز في الدم.
وفي المقابل، فإن تخطي وجبة الإفطار يؤثر سلبًا على تذكر قوائم الكلمات أو تفاصيل القصص المقروءة، ويسبب صعوبة في استرجاع المعلومات، دون أن يؤثر ذلك على الذكاء العام.
وفي المقابل، أكد الباحثان بنتون وباركر أن هذا الهبوط في مستوى التركيز يزول سريعًا؛ بمجرد تناول مشروب مُحلى أو أطعمة غنية بالنشويات والسكريات سريعة الامتصاص، والتي تعيد إلى الدماغ نشاطه وقدرته على الحفظ فوراً بعد تناول وجبة الإفطار.
أهمية وجبة الإفطار
ما يفضله الدماغ ليس مفيدًا دائمًا لبقية الجسم؛ فالإفطار السيئ يرتبط بسمنة البطن وارتفاع مؤشر كتلة الجسم، وتراجع مؤشرات الصحة النفسية كالرضا عن الحياة والمظهر، وتحديدًا لدى الفتيات وكبار السن.
وبشكل عام، فإن إهمال وجبة الإفطار يرفع احتمالات الإصابة بالاكتئاب والتوتر والاضطراب النفسي لكافة الأعمار، ويرتبط بقلة النوم، الشعور بالوحدة، وانخفاض التحصيل الدراسي.
أما من حيث التوقيت، فإن مواعيد الوجبات تحدد الإيقاع البيولوجي للجسم.
الطريقة الصحيحة لتوزيع السعرات
وفي السياق نفسه، سلطت دراسة حديثة قادها الباحث لوي الضوء على تأثير توقيت تناول الطعام؛ حيث خضعت مجموعة من النساء اللواتي يعانين زيادة الوزن لتجربة استمرت 12 أسبوعًا، وقُسمن إلى فئتين: تناولت الأولى وجبة الإفطار بجرعة مكثفة من الطاقة شملت 700 سعرة حرارية مقابل عشاء خفيف اقتصر على 200 سعرة، في حين اتبعت الفئة الثانية نظامًا عكسيًا تمامًا.
وأظهرت مجموعة الفطور الضخم خسارة أكبر في الوزن ومحيط الخصر، وانخفاضًا ملحوظًا في الأنسولين والجلوكوز، وتراجعًا في الدهون الثلاثية بنسبة 33.6%، بينما ارتفعت لدى المجموعة الأخرى.
وتخلص الأبحاث إلى أن إهمال وجبة الإفطار وتأجيل استهلاك السعرات الحرارية إلى المساء بالإفراط في طعام العشاء، يشكلان المحرك الأساسي لزيادة الوزن وتراكم الدهون، فضلاً عن التسبب في شعور دائم بالرغبة في الأكل وعدم الشبع بين الوجبات.
ومن هنا، يشدد خبراء التغذية على ضرورة العودة للاستمتاع بالطعام الصباحي، مسترشدين بالشعار الحكيم: "تناول فطورك كالملوك، وغداءك كالأمراء، وعشاءك كالفقراء".
