صراع الساعات البيولوجية.. لماذا يرفض جهازك الهضمي وجبات منتصف الليل؟
جسمك ليس محايدًا تجاه توقيت وجبتك؛ فكل خلية في أمعائك تعرف الساعة، وتعمل وفق إيقاع ثابت. فتناول الطعام في الثانية صباحًا لا يعني فقط وجبة متأخرة، بل يعني أنك تطلب من آلة أن تعمل خارج توقيتها.
دراسة حديثة من مركز UT Southwestern الطبي، نُشرت في مجلة PNAS العلمية، تكشف بتفاصيل غير مسبوقة ما يجري داخل الجهاز الهضمي حين نأكل في أوقات تناقض إيقاعنا البيولوجي؛ حيث جاءت النتائج لتتجاوز في تعقيدها ما توقعه الباحثون.
هل يوجد للأمعاء ساعة داخلية؟
معظمنا يعرف أن للجسم ساعة بيولوجية مرتبطة بالدماغ، تتحكم في النوم، واليقظة، والهرمونات.
لكن ما يكتشفه العلماء الآن هو أن الأمعاء تحمل ساعاتها الخاصة المستقلة، وهي مسؤولة عن تنظيم حركة الطعام، وامتصاص العناصر الغذائية، وتوقيت الإخراج.
في تجارب المركز، رصد الباحثون عدة أنواع من الخلايا المعوية لدى الفئران؛ فحين أكلت وفق جدولها الطبيعي، بقيت هذه الخلايا متناغمة.
لكن حين فُرض عليها الأكل خلال ساعات نومها الطبيعية، حدث شيء لافت: معظم الخلايا تكيّفت وضبطت ساعاتها وفق الجدول الجديد، ما عدا نوع واحد رفض الانصياع.
تأثير موعد الأكل على خلايا الجسم
تُسمى هذه الخلايا العنيدة "خلايا كاهال الخلالية"، وهي بمثابة ناقل الحركة في الجهاز الهضمي.
مهمتها الأساسية تنسيق التقلصات العضلية التي تدفع الطعام عبر الأمعاء، وعلى خلاف الخلايا الأخرى، رفضت هذه الخلايا تعديل ساعتها الداخلية، حتى بعد أسابيع من تغيير جدول الأكل.
الصورة التي ترسمها الدراسة صعبة الإغفال: أمعاء بنصفين يعملان وفق توقيتين مختلفين؛ فبعض الخلايا تظن أن الوقت هو الثانية صباحًا، وخلايا كاهال مقتنعة أن الوقت لا يزال منتصف النهار.
وهذا التنافر الداخلي، كما يرى الباحثون، هو السبب المُرجّح الذي يُفضي إلى الإمساك، والانتفاخ، ومتلازمة القولون العصبي.
لماذا يعاني العمال الليليون من الهضم؟
تجيب هذه النتائج عن سؤال ظل معلقًا: لماذا يشكو العمال ذوو المناوبات الليلية والمسافرون المتنقلون عبر المناطق الزمنية من مشكلات هضمية بصورة أعلى بكثير مقارنة بمن يحافظون على جداول ثابتة؟
الحقيقة أن الأمر لا يتعلق بجودة ما يأكلونه، بل بتوقيت الأكل نفسه.
يقول الدكتور يوكي أوباتا، أحد المشاركين في الدراسة: "إن فهم كيفية تضارب الساعات المعوية الداخلية قد يقودنا في نهاية المطاف إلى استراتيجيات تشمل توقيت الوجبات وعلاجات مرتبطة بالإيقاع الحيوي لتحسين الصحة الهضمية والتمثيل الغذائي".
آلية التعامل مع ساعة الأمعاء
لا تحتاج إلى تغيير جذري في نمط حياتك؛ إذ تشير الدراسة إلى أن الثبات في مواعيد الوجبات هو المفتاح، بغض النظر عن التوقيت تحديدًا.
بمعنى آخر، أن تأكل كل يوم في ساعة متقاربة يساعد خلايا أمعائك على الحفاظ على تناغمها الداخلي.
أمّا الأكل العرضي المتأخر فهو أقل ضررًا بكثير من تحويله إلى عادة يومية راسخة.
وما يُربك الجهاز الهضمي حقًا هو الفوضى المتكررة؛ فحين لا تعرف الخلية متى تتوقع الطعام، تبدأ بالعمل بلا بوصلة.
ساعة واحدة في جسمك لم تكن كافية على الإطلاق؛ فأمعاؤك دائمًا كانت تحتفظ بتوقيتها الخاص، ويبدو أنها لن تتساهل فيه.
