تكرار الأخطاء: برمجة دماغية أم عدم رغبة في تصحيح المسار؟
لولا الخطأ ما عُرِف الصواب، والإنسان بطبيعته مُرتكِب للأخطاء، ولكن هل من الطبيعي أن يكرّر نفس الخطأ مرارًا وتكرارًا رغم العواقب؟
في الواقع قد تتعامل أدمغتنا مع الخطأ بشكلٍ لا نتوقّعه، فبدلاً من التركيز على تفادي الخطأ مستقبلاً، ينهمك الدماغ في التفكير في الخطأ ذاته، أو ربّما لا نرغب نحن في النظر إلى أخطائنا، باعتبار أنّ ذلك مُحبِط.
في السطور الآتية نتناول بشيءٍ من التفصيل كيف نقع في نفس الخطأ بدون كلل أو ملل، وهل لتكرار الخطأ علاقة بمشاعرنا، والأهم هل نحن أسرى لأخطائنا أم أنّ هناك فرصة لتصحيح المسار؟
هل تمنعنا أدمغتنا التعلّم من الأخطاء؟
ثمّة ما يسمّى بـ"مسارات الخطأ" في الدماغ، ورغم أنّها في الواقع ليست عملية مفهومة أو مثبتة تمامًا، فإنّ القرارات السيئة تحدث عندما نُركِّز بشدّة على أخطائنا.
وفي تجربة أُجريت في جامعة ماكماستر في كندا ونُشرت في المجلة الفصلية لعِلم النفس التجريبي عام 2008؛ استحثّ الباحثون لدى المشاركين حالة تُعرَف بـ"طرف اللسان"، وهي تلك اللحظات التي تبحث فيها عن كلمة مُحدّدة لكنّك لا تستطيع استحضارها تمامًا.
وبمجرد أن لا يتمكّن الشخص من العثور على الإجابة التي يريدها، ويبدأ في ارتكاب الأخطاء، يُطلَب منه الاستمرار في المحاولة لمدة 10 ثوانٍ أو 30 ثانية، وبعد أيامٍ قليلة، جرّبوا نفس الاختبار.
واتّضح أنّه كُلّما ركّز المشاركون لفترةٍ أطول على المشكلة في الجولة الأولى من الاختبارات، زاد احتمال مواجهتهم لنفس المشكلة مرة أخرى، مما دفع العلماء إلى تسمية الدراسة بـ"تعلّم الفشل".
لماذا يعِيد الدماغ ارتكاب نفس الخطأ؟
لا يتعلق الأمر دائمًا بالتوقعات الأخلاقية للخطأ والصواب، بل يتعلّق أكثر بكيفية عمل الدماغ، فقد أشارت بعض الأبحاث إلى أنّ الدماغ البشري لا يتعلّم دائمًا من الأخطاء.
ووفقًا لإحدى الدراسات، فإنّ المسارات العصبية تُبرمَج بحيث أنّه في كل مرة نتذكّر فيها خطأ في الماضي، تعود الأدمغة إلى المسار السابق.
المنطق هو أنّه عندما يُترك الدماغ للتفكير في خطأ ما، فإنّه يضطر إلى التباطؤ والتعمّق لفترةٍ أطول وبجهدٍ أكبر في سبب إفسادنا للأمور، هل ارتكبتُ خطأ في العمل؟ هل اتخذتُ خيارًا سيئًا في العلاقة؟ من المحتمل أن يكون الدماغ منشغلا للغاية بفكّ تشابُك دلالات الخطأ لدرجة أنّه لا يصل أبدًا إلى جزء الحلّ.
بمعنى آخر، يتبع الدماغ طريقة عرضة للأخطاء، فالأخطاء هي حالات شاذّة، يجب تشريحها في المختبرات العقلية، وتُجرّد إلى الحد الأدنى لفهم أين انحرفت عملية صنع القرار وكيفية إصلاحها، ولكن العملية قوية ومكثفة لدرجة أنّ الخطأ في حد ذاته محفور في نفسيتنا.
نظرية "تثبيت الهدف" وتكرار الخطأ
وقد تمكّن الباحثون أيضًا من فهم هذا النمط من خلال فكرة "تثبيت الهدف"، أي كيف يصبِح الناس مُركِّزين بشدة على شيء ما لدرجة أنّ خطر الاصطدام به واستبعاد العوامل الأخرى يزداد على حساب ذلك.
وبالمثال يتضح البيان، فإذا انحرفت لتجنّب الاصطدام بغزالٍ، وكُنت متجهًا نحو شجرة، فيجب عليك التركيز على المساحة المجاورة للشجرة، وليس الشجرة نفسها. فإذا ركّزت على الشجرة، فمن المرجّح أن تصطدم بها لأنّك تُحوّل كل الاهتمام والعمل نحوها.
اقرأ أيضًا:لماذا لا يفوز دماغك في لعبة "حجر ورقة مقص"؟ العلم يجيب
وبالمثل إذا ركّزت على الخطأ الذي ارتكبته في المرة الأخيرة، فغالبًا ما ينتهي بك الأمر عن غير قصدٍ إلى تكراره أو ارتكاب خطأ مختلف.
غياب العواقب وعدم الرغبة في التغيير
ثمّة سبب آخر يجعل الاستجابة الغريزية للدماغ هي العودة إلى الخطأ بدون تعلّم، لأنّه في المُخطّط الأكبر للأشياء، قد لا يرقى الخطأ المذكور إلى مستوى انتهاك التعطيل فيما كان الهدف النهائي المُتصوّر.
فإذا كانت العواقب ضئيلة، يتم ضبط المسار العصبي على الوضع الافتراضي للقيام بما كان يفعله دائمًا. اصطحب صديقك الذي يصل دائمًا متأخرًا لتناول طعام الغداء أو العشاء، فعلى الرغم من التأخير، فإنّه لا يزال يصل إلى الوجبة المذكورة ويشارك اجتماعيًا. وبالنسبة للدماغ لم يضع الكثير لتغيير طرق عمله بشكلٍ جذري.
وعلى العكس من ذلك، فإنّ تغيير الدماغ لمساره وإعادة توجيهه إلى مسار مختلف، يُعدّ مهمة شاقة، فالتغيير أمر غير مرغوب فيه، ومِنْ ثمّ فإنّ العمل على إيجاد طريقة جديدة لمعالجة الحدث يصبِح أقل أولوية.
النظر في الأخطاء مُحبِط للمرء
علاوة على ذلك، فإنّ النظر إلى أخطائنا أمر محبِط بالنسبة لنا، فهُناك جو مليء بالتوتر والتعب يجعل من الصعب الانتباه إلى الحكمة التي تُركت بدون استخدام.
وفي دراسة أُجريت عام 2016 نُشرت في دورية "Journal of Consumer Psychology"، أجرت كيلي هاوز، الأستاذة المساعدة للتسويق في جامعة فاندربيلت، سلسلة من التجارب على عمليات الشراء الاندفاعية التي يقوم بها الناس، وطُلب من بعض المشاركين أن يتذكروا الأوقات التي تمكّنوا فيها من التحكّم في إغرائهم بشراء الأشياء، وكُلِّف آخرين عقليًا بمهمة التفكير في جميع الأوقات التي استسلموا فيها للرغبة. وفي المرحلة التالية، سألتهم هاوز عن مقدار الجهد الذي سيبذلونه (لإرهاق الميزانية) لشراء ممتلكات ثمينة.
كان الأشخاص الذين ركّزوا أكثر على رحلات التسوق الخاطئة السابقة، أكثر عُرضةً لتكرار نفس الدورة (الإنفاق المتهوّر)، وأوضحت هاوز: "إنّ رؤية نفسك فاشلًا يمكن أن يحبطك"، وعندما نشعر بالإحباط، فإنّنا نميل إلى التبذير، ما يعني تكرار نفس الخطأ.
هل يمكن أن تسبب المشاعر تكرار الأخطاء؟
قد يكون مَيْلنا لارتكاب نفس الأخطاء مرتبطًا بالعواطف والمشاعر، إذ قد يتحرّك المرء وفق مزاجه أو حُزنه إذا كان متعبًا ومنزعجًا للغاية، بحيث لا يستطيع استخدام قشرة الفصّ الجبهي (المسؤولة عن القرارات)، أو قد يتعامل بما يُعرَف بـ"عقلية الأطفال".
فمثلا قد تنفِق الكثير من الأموال رغم الديون، أو تتناول مزيدًا من الأطعمة غير الصحية عندما تكون مُكتئبًا أو ربّما تُدخِّن مزيدًا من السجائر عندما تكون متوترًا أو غاضبًا.
ولكن من ناحيةٍ أخرى، فإنّ المشاعر قد تكون مفيدة في اتخاذ القرارات، ولا يُعتقد أنّها ظاهرة منفصلة تمامًا عن التفكير المنطقي.
هل أنت أسِير أخطائك؟
لا يعني كل ما سبق أنّ المرء محكوم عليه بتكرار الخطأ، فإذا كان الخطأ صفة إنسانية بالمقام الأول، فإنّ القدرة على التكيف وتصحيح المسار هي صفة إنسانية أيضًا.
اقرأ أيضًا:كيف يُسيّرك عقلك؟ هكذا يعمل الدماغ البشري
فمثلًا إذا استمرّ الإنسان في إنفاق الأموال على التسوّق كآلية للتكيف، وهو خطأ إذا كانت الموارد المالية ضعيفة. بدلاً من ترك الأمر يمرّ بدون تعلّم، يمكنك التركيز على كيفية توفير المال أو تقليل النفقات في مجالات أخرى، أو وضع ميزانية في الوقت المناسب، فمن المُرجّح أنّ الشخص لا يكرر نفس الشيء، فإنّ تصحيح الخطأ يمتلك جاذبية أعمق وأهمّ، سواء من الناحية البيولوجية أو النفسية.
كيف تكسر حلقة الأخطاء المتكرّرة؟
ليس من السهل منع النفْس من ارتكاب نفس الأخطاء على الفور، بل يتطلّب ذلك بعض الوقت والالتزام، لذلك إليك بعض النصائح التي تساعدك على تحقيق ذلك، وفقًا لموقع "Psychology today":
1. لا تتعهّد بعدم ارتكاب خطأٍ مُعيّن
قد تكرّر نفس الخطأ، فتندم وتقطع عهدًا بعدم ارتكابه مرة أخرى البتّة، ولكن من المفارقات أنّه لتغيير الأنماط المتكررة، غالبًا ما يكون من الأفضل افتراض أنّك سترتكب نفس الخطأ مرة أخرى.
وعندما تفعل ذلك، يمكنك تغيير تركيزك إلى تطوير استراتيجيات عملية تساعدك على ارتكاب أخطاء أقل خطورة، وأقل تكرارًا، ويبدو أنّ هذا النهج أكثر نجاحًا عمومًا في تقليل الأخطاء.
2. طوّر استراتيجيات الوقاية
لنفترض أنّك تعلم أنّك ستفرط في تناول الطعام عندما تشعر بالجوع الشديد، والسؤال هو ما الاستراتيجيات التي تحتاج إلى وضعها لمنعك من أن تصبح جائعًا جدًا لدرجة الإفراط في الأكل؟
يجب عليك اتباع نهج حل المشكلات الذي يتناسب مع ظروفك الدقيقة، وأن يكون قابلا للتنفيذ بالفعل، ويُفضّل أن تكون استراتيجيتك بها أشياء سترغب في القيام بها، بدلا من أن تكون غير جذّابة.
3. خصِّص وقتًا وجهدًا ذهنيًا
استئصال الأخطاء ليس سهلًا، ولا ينبغي الاستهانة به، فالنجاح في منع تكرار الأخطاء يتطلّب التفكير في الاستراتيجيات التي يمكنك استخدامها، واتخاذ قرار بشأن ما يجب تجربته، وتنفيذ أفكارك، وفي كثير من الأحيان، استكشاف جوانب استراتيجياتك التي لا تعمل وإصلاحها.
وكلّ ذلك يتطلب طاقة ذهنية، فهي ليست من نوع الأشياء التي ستفعلها في أثناء ذهابك إلى العمل أو بنهاية اليوم عندما تكون متعبًا ومنهكًا وعادةً ما تتصفّح هاتفك، بل يجب تخصيص وقت وجهد ذهني مناسب، فكلُّ خطأ يمكن التعلّم منه؛ إذ الأخطاء جزء من فهْم الإنسان لذاته، وربّما تُضيء طريقه إلى حكمة قد لا يكتسبها إلّا من وراء تلك الأخطاء.
