من هدف رائع إلى إصابة صامتة.. ماذا تفعل ضربات الرأس بالدماغ؟
هستيريا في الملعب، ومدرّجات تهتزّ بصخب الجماهير، ولاعبون يركضون احتفالًا بالعرضية المُتقنة التي أسكنها مهاجم فذّ في الشباك برأسه، ولكن قبل أن ننطلق وراء احتفالات اللاعبين وقبل أن يخطف أسماعنا صخب الجماهير، لنعُد بالزمن بضع ثوان، ونتوقف بُرهة عند لحظة ضرب المهاجم الكرة برأسه.
تلك اللقطة تبدو بسيطة في ظاهرها، ولكنّها تُخفِي وراءها آثارًا قد لا تظهر إلّا بعد سنوات على دماغ اللاعب، فارتجاج الدماغ أول تلك الأخطار، ولكن الخطورة الكبرى فيما كشفته بعض الدراسات الحديثة عن احتمالية تأثّر القدرات الذهنية بسبب ضربات الرأس التي يتفنّن في أدائها لاعبو كرة القدم كلّ يوم.
فإلى أي مدى تتأثّر أدمغة اللاعبين بضربات الرأس؟ وما السبيل للوقاية من هذه الآثار؟
الأخطار الصحية بسبب ضربات الرأس
رغم أنّ ضربات الرأس مهارة أساسية لأي لاعب لكرة القدم، فإنّ الدماغ قد يتضرّر بسبب هذه المهارة، بل إنّ بعض الإصابات قد تكون خطيرة بما يكفي للتسبّب في مشكلات فورية أو ربما تظهر بعد بضع سنوات، ومن أهم الإصابات المحتملة:
1. ارتجاج الدماغ
ينجم ارتجاج الدماغ عن إصابة الرأس بضربة شديدة القوة، ويمثّل الارتجاج وحده نحو 22% من جميع الإصابات في كرة القدم.
والارتجاج ليس درجة واحدة، فقد تظلّ محتفظًا بوعيك الذهني ويقظتك بعده، أو قد تفقد الوعي في بعض الأحيان، كما تضمّ أعراضه، حسب "Healthline":
- الصداع.
- فقدان الذاكرة.
- صعوبة التركيز.
- عدم وضوح الرؤية.
- الارتباك.
- الدوخة.
- مشكلات التوازن.
- الغثيان.
2. الإصابات دون الارتجاجية
لا يلزم أن يحدث ارتجاج الدماغ كُلّما أصبت الكرة برأسك، بل قد تكون الإصابة أخفّ من ذلك لدرجة لا تظهر معها أعراض واضحة.
ومع ذلك، لا تزال الإصابة تُلحِق بعض الضرر في الدماغ، وبمرور الوقت، قد تتراكم الإصابات دون الارتجاجية المتكررة، وتؤدي إلى مشكلات أخطر.
من ناحيةٍ أخرى، يرتبط هذا النوع من صدمات الرأس المتكررة باعتلال الدماغ الصدمي المزمن (CTE)، والذي يزداد خطر الإصابة به عندما يعانِي المرء إصابات دماغية دون ارتجاجية وكذلك ارتجاج الدماغ على مدى عدّة سنوات.
وقد تختلف أعراض هذا الاعتلال من شخص لآخر، ولكن من أهم علاماته المبكّرة:
- صعوبة التحكّم في الذات.
- السلوك الاندفاعي.
- مشكلات الذاكرة.
- ضعف الانتباه.
- مشكلات التخطيط وتنفيذ المهام.
ضربات الرأس.. هل تسلب اللاعبين ذاكرتهم؟
ربّما لم تعلم أنّ ضرب كرة القدم مرة واحدة بالرأس يكفي لإطلاق البروتينات الدالّة على تلف خلايا المخ مؤقتًا.
وحسب الدراسة المنشورة عام 2025 في دورية "JAMA Neurology" فإنّ اللاعبين الذين نفّذوا أكثر من ضربتين رأسيتين، وكذلك من نفّذوا عدّة ضربات رأسية عالية التأثير، شهدوا زيادة فورية في بروتين p-tau217، وهو أحد المركّبات الحيوية الدالّة على مرض ألزهايمر.
وبغض النظر عن الآلية المؤدِّية إلى هذا الأمر، يفترض العلماء أنّ تأثيرات ضربات الرأس قد تتراكم بمرور الوقت، ما قد يزيد احتمالية الإصابة بالأمراض العصبية التنكسية لاحقًا، مثل مرض ألزهايمر.
الشباب الضحية الأولى لإصابات الرأس في كرة القدم
ليست هناك استثناءات، ولكن يُعدّ لاعبو كرة القدم صغار السن أكثر عرضةً لإصابات الدماغ الناجمة عن الضربات الرأسية، وذلك لأنّهم لم يتقِنوا تلك المهارة بعد، وعندما يحاولون تعلّم كيفية إحراز الأهداف بالرأس، فعادةً ما تكون حركات أجسامهم غير صحيحة، ما يجعل أدمغتهم في مرمى الخطر.
علاوة على ذلك، فإنّ أدمغتهم لا تزال في طور النضج، كما أنّ أعناقهم عادةً ما تكون أضعف وأقل قدرة على احتمال ضغط ضربات الرأس، مقارنةً بأعناق اللاعبين الأكبر سنًا.
بروتوكول التعامل مع إصابات الرأس عند الاشتباه في الارتجاج
للتعامل مع الارتجاج طُرق مُحدّدة ينبغي الإلمام بها، خصوصًا إذا كُنت تعتقد أنّك أُصبت بارتجاج دماغي بعد ضربة رأس أخيرًا، وفيما يلي أهم ما تحتاج إليه:
- أوقِف اللعب واسترح فورًا، وتجنّب أي جهد بدني وعقلي.
- ينبغي إجراء فحص طبي من قِبل مقدّم رعاية صحية إذا كان ذلك ممكنًا.
- مراجعة الطبيب لاحقًا حتى لو لم تكُن لديك أعراض، لأنّ بعض الأعراض قد يستغرق ظهورها ساعات أو أيامًا.
- استرح لمدة يوم إلى يومين على الأقل، وخُذ إجازة من كُرة القدم وكذلك عملك.
- يُنصَح بالابتعاد عن المناطق التي تحفّز دماغك بكثافة، مثل مراكز التسوق المكتظة، كما ينبغي تجنّب القراءة أو إرسال الرسائل النصية أو الأنشطة الأخرى التي قد تُفاقِم الأعراض.
- استعِد مُتعة كرة القدم عندما يخبرك طبيبك أنّ ذلك آمن لك، ويُوصَى بممارسة تمارين هوائية خفيفة، مثل المشي أو السباحة لمدة 15 دقيقة.
- إذا لم تظهر عليك أي أعراض في أثناء التمارين الهوائية الخفيفة، فابدأ بممارسة نشاط رياضي مُحدّد.
- ابدأ بالتدريبات الرياضية غير التلامسية، إذا لم تظهر عليك أعراض في أثناء نشاط رياضي مارسته.
- ابدأ بالتدريبات ذات التلامس الكامل، وإذا لم تظهر عليك أعراض، يمكنك العودة إلى مباريات كرة القدم من جديد.
وسائل الحماية من إصابات الرأس في كرة القدم
ربّما لن تتمكّن من حماية دماغك بصورةٍ كاملة مما تُحدِثه ضربات الرأس، ولكن ثمّة بعض الطرق التي تساعد على تضييق نطاق الأخطار، والتي منها على سبيل المثال لا الحصر:
- أداء ضربات الرأس بطريقة صحيحة، بما يتضمّنه ذلك من تثبيت رقبتك وجذعك بطريقة تقلّل من التأثير الضار، وتحت إشراف مُختص بالطبع.
- ارتداء غطاء للرأس، مثل الخوذات، فهي تقلّل من تأثير ضربات الرأس، كما أنّ الخوذات المبطّنة بحشوة، تضع حدًا لتأثير الصدمات أيضًا.
- اتّباع قواعد المباراة، فهذا يقلّل فرص إيذاء نفسك أو لاعب الفريق الخصم.
- تحدّث مع مدرّبك إذا كُنت تخشى من إصابات الرأس، لتعلّم أمثل الطرق للتحكّم في حركتك.
ختامًا، صحيح أنّنا نبتهج فرحًا عندما يحرِز مهاجم الفريق الذي نشجعه هدفًا بالرأس، ولكن الحقيقة أنّه قد يدفع ثمن فرحتنا تلك من إصابة دماغه، سواء بارتجاجه أو زيادة احتمالية الإصابة بالأمراض التنكسية العصبية لاحقًا، ومِنْ ثمّ ينبغي لأي لاعب كرة قدم، خصوصًا صغار السنّ تعلّم كيفية أداء ضربات الرأس بأدنى قدرٍ من الأضرار.
