مونديال الحرارة.. التحدي البدني الأخطر في كأس العالم 2026
مع تصاعُد التحذيرات العلمية من حرارة الطقس المرتقبة في صيف عام 2026، الذي يتزامن مع أضخم حدثٍ كروي، وهو كأس العالم الذي سيقام في الولايات المتحدة الأمريكية والمكسيك وكندا، فإنّ اللاعبين ليسوا وحدهم من يواجِه أخطار الحرارة العالية، بل كذلك الجمهور الذي يأتي من أقصى بقاع الأرض لتشجيع منتخبات أوطانهم.
ولكن درجة الحرارة ليست كلّ شيء فيما يتعلّق بتأثير الطقس في اللاعبين؛ إذ إنّ الرطوبة وسُرعة الرياح وقوة أشعة الشمس ذاتها، تُحدّد بمجموعها حالة الطقس ومدى مناسبته كي يكون أداء اللاعبين البدني في ذروته أو في دنوٍ ربّما لم يسبق له مثيل على صعيد البطولة.
بناءً على كلّ ذلك، هل هذه التحذيرات منطقية أم مبالَغ فيها، خصوصًا أنّ لأجسامنا قدرة على التكيّف مع الحرارة؟ ومتى تكون درجة الحرارة متجاوزة لقدرتنا البشرية؟ وكيف يستعد اللاعبون لتقديم أفضل ما لديهم في بطولة لا تتكرّر إلّا كلّ 4 سنوات؟
كيف تتكيّف أجسادنا مع الحرارة؟
لجسم الإنسان قدرة فريدة على التكيّف مع الحرارة، خصوصًا مع التعرّض المتكرّر لطقس حار، ومن أمثلة تلك التغيّرات، وفقًا لمراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها "CDC":
- زيادة كفاءة التعرّق (أن يبدأ التعرّق في وقت أبكر، ويزيد إنتاجه، مع تقليل فقدان الإلكتروليت في العرق).
- أداء العمل مع انخفاض درجة الحرارة الداخلية للجسم ومعدّل ضربات القلب.
- زيادة تدفّق الدم إلى الجلد عند درجة حرارة مُعيّنة (للمساعدة على التخلّص من الحرارة الزائدة للجسم).
وتساعد هذه التغيّرات أجسامنا على الأداء كما لو كانت في طقس بارد، كما تشكّل درعًا أقوى لخلايا الجسم أمام الأخطار الصحية للحرارة العالية.
ويعتمد مدى تكيّف أجسامنا مع الحرارة على عوامل، مثل مدى شدّة التعرّض للحرارة، وفترة التعرّض، ومعدل تكرار ذلك، فضلًا عن الظروف البيئية الأخرى.
متى يبدأ الجسم في التكيّف مع الحرارة العالية؟
ليس للجسم حيلة للتكيّف في الثلاثة أيام الأولى من التعرّض لطقس حار، بل هو بحاجةٍ إلى 7 إلى 14 يومًا للتكيّف مع الحرارة، ولذلك فإنّ تكثيف التدريبات بالنسبة للاعبي كرة القدم في الطقس الحار، خصوصًا في الأيام الأولى قد لا يكون أمثل خيار لهم، وربما يخوض اللاعبون التدريبات في موطن انطلاق البطولة؛ كي تتأقلم أجسادهم مع الطقس هناك عندما تحين ضربة البداية.
متى تفوق درجة الحرارة قدرتنا على الاحتمال؟
يستخدم العلماء مقياسًا يُسمّى درجة حرارة الكرة الأرضية الرطبة (WGBT) لتقييم سلامة درجة الحرارة، واضعين في الحُسبان درجة حرارة الهواء والرطوبة وسُرعة الرياح، وكمية الحرارة الناتجة عن ضوء الشمس.
والجمع بين هذه العوامل يُعطِي مؤشرًا أوضح على مدى خطورة الطقس، مقارنةً مع درجة حرارة الهواء وحدها، لأنّه يصعب على أجسامنا أن تبرّد ذاتها دون نسيم الهواء أو في رطوبة عالية مهما كانت درجة الحرارة.
وبناءً على هذا المؤشّر، فعندما تبلغ درجة حرارة الهواء 30 درجة مئوية، مع رطوبة 30% (شديدة الجفاف)، فإنّ قِياس WGBT يشير إلى 26.2 درجة مئوية تقريبًا.
أمّا لو كانت نسبة الرطوبة 75% مع نفس درجة حرارة الهواء آنفة الذكر، فقياس WGBT قد يبلغ 35 درجة مئوية، وهُنا لا تعُود أجسامنا قادرة على تبريد ذاتها.
الحرارة وأداء لاعبي كرة القدم
رغم أنّ الأُسس الدقيقة المفسِّرة لضعف الأداء البدني في الطقس والحار لا تزال مجهولة، فقد اختلفت الأسباب التي أشارت إليها الدراسات بين تغيّر التمثيل الغذائي للجسم، أو تغيّر تدفق الدم، أو الحرارة العالية للجسم، أو حتى إجهاد القلب والأوعية الدموية بسبب الحرارة العالية للجلد وزيادة تدفّق الدم إليه.
هل يزداد الإرهاق كُلّما ارتفعت درجة الحرارة؟
وفقًا لدراسة عام 1997 في مجلة "Medicine and Science in Sports and Exercise" استكشفت آثار الإجهاد الحراري على الأداء الهوائي، تبيّن أنّ الوقت المُستغرَق حتى الإرهاق يمكِن أن يكون أقصر بما يصل إلى 42 دقيقة في درجات الحرارة التي تصل إلى 31 درجة مئوية، مقارنةً بدرجات الحرارة المتوسطة التي تصل إلى 11 درجة مئوية.
كذلك أظهرت دراسة عام 2007 في المجلة نفسها أنّ أداء الجري لدى نُخبة رياضيي الماراثون انخفاض بمقدار 2 إلى 3 دقائق مع ارتفاع درجة الحرارة من 10 إلى 25 درجة مئوية.
قليل من الحرارة قد لا يضرّ
حسب مراجعة عام 2015 نُشِرت في المجلة البريطانية للطب الرياضي، فإنّه يُوصَى بالتعرّض للحرارة لمدة أسبوع واحد على الأقل -ومن الأفضل لأسبوعين- لتحقيق تكيّف مثالي للجسم مع الحرارة.
ومن الضروري أيضًا أن تبدأ كل جلسة تدريبية بالترطيب الجيّد، وكذلك مواجهة فقدان السوائل والجفاف عن طريق إعادة الترطيب في أثناء التمرين.
علاوة على ذلك يمكِن للرياضيين الاستفادة من التدابير المضادة للحرارة، مثل وسائل التبريد المساعدة، فكلّ ذلك يضمن الحفاظ على الأداء والسلامة الصحية في آنٍ واحد.
الإنهاك الحراري.. خطر صامت يهدّد اللاعبين
الإنهاك الحراري نتيجة طبيعية لارتفاع درجة حرارة الجسم فوق المُعدّل الطبيعي، ورغم أنّ للجسم طرقه الخاصّة في التخلص من الحرارة الزائدة، مثل التعرّق، ففي بعض الأحيان لا يتمكّن جسمك من التخلّص من الحرارة الزائدة، ومن ثمّ ترتفع درجة حرارته.
وفي حالة الإنهاك الحراري، قد ترتفع درجة حرارة الجسم إلى 38.3 إلى 40 درجة مئوية، ما قد يجعل اللاعبين يشعرون بضعفٍ ودوارٍ ينعكس على أدائهم.
كيف أثّرت حرارة الطقس في أداء المنتخبات في كأس العالم 2014؟
خسر منتخب إنجلترا في أولى مبارياته في كأس العالم 2014 أمام منتخب إيطاليا بنتيجة 2 - 1 في درجات الحرارة العالية والطقس الرطب في ماناوس، وكان من المُتوقَّع أن تصل درجات الحرارة إلى نحو 32 درجة مئوية مع بلوغ نسبة الرطوبة 80%، ما قد يكون عاملًا مؤثِّرًا في نتيجة المباراة، وسببًا لأن يكون استحواذ إنجلترا على الكرة 44% فقط، مقارنةً مع 56% لإيطاليا.
فالاضطرار إلى التعامُل مع درجات حرارة عالية جدًا وبيئة رطبة قد يجعل اللاعبين أقل قدرة على التعامُل مع الكرة كما اعتادوا في ظروف الطقس العادية من قبل.
كأس العالم 2026.. درجات حرارة استثنائية
من بين 104 مبارايات تُقام 67 منها في أماكن وأوقات ذات خطورة عالية قد تُعرِّض اللاعبين والجماهير لإصابات حرارية، و39 منها ذات أخطار كبيرة، وفقًا لدرجة حرارة الكرة الأرضية الرطبة (WBGT).
وتحتلّ ميامي وهيوستن ودالاس وأتلانتا مرتبة قريبة من القمة من ناحية درجات الحرارة في مبارياتها؛ إذ يبلغ متوسط درجات الحرارة 28.8 درجة مئوية، وستُشغّل أجهزة التكييف للحضور والعاملين في تلك الملاعب.
ولكن لا تتمتّع الملاعب في أجزاء أخرى من الولايات المتحدة الأمريكية بنفس البِنية التحتية، فمثلًا يبلغ متوسط درجات الحرارة للمباريات في فيلادلفيا ونيوجيرسي وكانساس سيتي بولاية ميسوري 26 درجة مئوية دون وجود أسقف تُغطّي ملاعبها.
الترطيب سلاح اللاعبين لمواجهة حرارة البطولة
الترطيب هو سبيل الوقاية الأول من الإصابات الحرارية، فالماء يساعد على التعرّق، ما يعني مزيدًا من السيطرة على درجة حرارة الجسم.
أمّا لو كان اللاعبون مصابين بالجفاف ابتداءً، فسوف يظلّ الماء حبيس أجسامهم بدلًا من خروجه مع العرق، ومِن ثمّ قد يكون التبريد أصعب، كما قد تكون فرص الإصابات الحرارية أعلى، مثل الإنهاك الحراري.
ولكن الترطيب ليس بالماء وحده، فالعرق يُخرِج أملاحًا معه، ومِن ثمّ ينبغي الحفاظ على توازن المعادن في الجسم أيضًا عبر تناول المشروبات الإلكتروليتية.
ختامًا، قد تكون التحذيرات التي أطلقها العلماء بخصوص لعب مباريات كأس العالم 2026 في محلّها، خصوصًا مع ارتفاع مؤشر WBGT، فالإرهاق يزداد مع ارتفاع درجات الحرارة، كما أنّ الإنهاك الحراري قد يُضعِف أداء اللاعبين، ولكن الترطيب وتناول المشروبات الرياضية قد يكونان أمثل خيارٍ متاح لتخفيف وطأة الحرارة على لاعبي وجمهور تلك البطولة الاستثنائية.
