الصحة النفسية للرجال: هل تستنزفها الحياة المعاصرة في صمت؟
قليلًا ما ترى رجلًا يشكو من حُزن أو اكتئابٍ أصابه، بل ربّما زاد من مثابرته في العمل، أو سعى إلى رسم بسمة أكبر على وجوه زوجته وأطفاله، دون أن يُفصِح عمّا بداخله حقًا.
يتعرّض الرجل اليوم لهجمات متتالية على صحته النفسية، سواء من العمل أو الأُسرة أو أعباء الحياة عمومًا، ويظنّ كثيرٌ من الرجال أنّ الحديث عن مشكلاتهم النفسية أمر يدعو للخجل أو لا يليق بهم.
ولكن في أعماق النفس، تتآكل المشاعر تدريجيًا لحساب الحُزن أو القلق أو اليأس، كما قد يفقد الرجل شغفه الذي لطالما حفّزه على هواياته أو نجاحه في العمل.
فكيف يمكن الحفاظ على الصحة النفسية للرجال؟ ومتى يعرف الرجل أنّ صحته النفسية تحتاج إلى رعاية حقيقية؟
لماذا يهمل الرجال صحتهم النفسية؟
لا يميل الرجال إلى الحديث عن صحتهم النفسية، فضلًا عن الحصول على استشارة مُختصّ بشأن ما يواجهونه من الناحية النفسية، وذلك للعديد من الأسباب، مثل:
- الضغوط الاجتماعية.
- الخوف من الإحساس بالعار أو الحرج بشأن الحديث عن الصحة النفسية.
فبعد تعرّض الرجال لوابل من الرسائل من ثقافة المجتمع تتعلّق بأنّ الرجولة مرتبطة بعدم الإفصاح عن المشاعر وما أشبه ذلك، ينتهي الأمر بهم إلى عدم إظهار ضعفهم، خصوصًا عندما يتعلّق الأمر بمشكلات الصحة النفسية.
أبرز التحديات النفسية
تتمثّل التحدّيات النفسية التي يواجهها الرجال اليوم في الاضطرابات النفسية التي قد يتعرّض لها الرجل في حياته كل يوم، مثل:
1. الاكتئاب
الاكتئاب هو انخفاض المزاج العام باستمرار، مع فقدان الشغف بالأنشطة التي كُنت تستمتع بها، كما قد يؤثِّر الاكتئاب في الأداء اليومي للرجل. ورغم أنّ الاكتئاب أكثر شيوعًا بين النساء بمقدار الضعف تقريبًا مقارنةً بالرجال -حسب مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها "CDC"- فإنّ الرجال أقل طلبًا للعلاج بكثير مقارنةً بالنساء، ما يجعل الاكتئاب أحد أبرز التحديات العصرية للصحة النفسية للرجال.
2. اضطرابات القلق
بات القلق سمة الحياة في العالم المعاصِر، وربّما لا يقدر الرجال على الإفلات من مصيدة القلق التي تحيط به في حياته اليومية.
وتتسم اضطرابات القلق بمشاعر الخوف والقلق الشديدة التي يعجز المرء عن السيطرة عليها، والنوع الأكثر شيوعًا منها هو اضطراب القلق العام، الذي غالبًا ما يحدث بالتزامن مع الاكتئاب.
ورغم أنّ النساء أيضًا أكثر عرضة للإصابة باضطراب القلق العام بمقدار الضعف، فإنّ الرجال أقل طلبًا للعلاج من هذا الاضطراب.
وثمّة أنواع أخرى لاضطراب القلق شائعة بالقدر نفسه بين الرجال والنساء، مثل:
- اضطراب القلق الاجتماعي.
- اضطراب الوسواس القهري.
3. اضطراب ما بعد الصدمة
عندما تمرّ بحدثٍ صعب أو موقف أليم، لا بُدّ أن يترك بصمته في مشاعرك وأفكارك لفترة ممتدة، أو للدقّة، هنا يحدث اضطراب ما بعد الصدمة، الذي يتسم بأعراض، مثل استرجاع ذكريات التجربة المؤلِمة، والاستثارة المفرطة، والتجنّب.
وحسب المركز الوطني الأمريكي لاضطراب ما بعد الصدمة، فإنّ 60% من الرجال يتعرّضون لحدثٍ صادم واحد على الأقل في حياتهم، في حين أنّ 50% من النساء يتعرّضن لذلك.
وتختلف أنواع الصدمات؛ إذ يكون الرجال أكثر عرضةً للتعرّض لما يلي:
- الحوادث.
- الاقتتال.
- الكوارث الطبيعية.
- مشاهدة الوفاة أو الإصابة.
ورغم أنّ الرجال أكثر عرضة للمرور بأحداثٍ مؤلمة، فإنّ النساء أكثر عرضة للإصابة باضطراب ما بعد الصدمة.
علامات تدهور الصحة النفسية
تضمّ الأعراض المختصة بالرجال، الدالّة على تدهور الصحة النفسية لديهم:
- السلوك الهروبي، مثل الإفراط في العمل أو الهوس بالرياضة.
- الشكاوى الجسدية، مثل الصداع أو الألم المزمن أو مشكلات الجهاز الهضمي.
- السلوك العدواني أو العنيف أو المسيطر.
- الأفعال المنطوية على مخاطرة، مثل القيادة المتهوّرة.
- تغيّرات مفاجئة في المزاج أو الشهية أو مستويات الطاقة.
- صعوبة في التركيز أو الشعور بالقلق.
- تعاطي المخدرات.
أمّا الأعراض المشتركة بين الرجال والنساء، فتشمل:
- الحُزن المستمر أو الإحساس باليأس أو الفراغ.
- التعب الشديد أو نقص الطاقة.
- اضطرابات النوم، سواء بكثرته أو قلته.
- فقدان الاهتمام بالأنشطة التي كُنت تستمتع بها سابقًا.
- الأفكار الانتحارية أو التفكير في إيذاء النفْس.
من الرجال الأكثر عرضة للاضطرابات النفسية؟
صحيح أنّ معظم الرجال معرّضون بدرجات متفاوتة للاضطرابات النفسية، ولكن ثمّة عوامل قد تزيد احتمالية الإصابة باضطرابات الصحة النفسية، مثل:
- الرجال البيض الأكبر سنًا: ممن تجاوزت أعمارهم 85 عامًا، فهم الأكثر عرضة للانتحار.
- الرجال الذين تعرّضوا لصدمة نفسية: تزيد الأحداث المؤلمة مثل التعرض لاعتداء أو الانخراط في قتال من خطر الإصابة باضطراب ما بعد الصدمة.
- الرجال الذين يواجهون مشكلات العمل: مثل العمل في ظروف سيئة أو تحمّل أعباء وظيفية مرتفعة، كما أنّ البطالة والتقاعد أيضًا يزيدان خطر الاكتئاب والانتحار.
- الرجال الذين انهار زواجهم: فالاكتئاب أكثر شيوعًا وحدّة بين الرجال المطلّقين، بل بيّنت دراسة عام 2017 في دورية "BMC Psychiatry" أنّ كون الرجل عازبًا، يُعدّ سببًا بارزًا من أسباب الانتحار بين الرجال.
- الرجال الذين لديهم مخاوف قانونية أو مالية: فهذا قد يزيد احتمالية الإصابة بمشكلات الصحة النفسية، وربّما يزيد خطر الانتحار أيضًا.
- التاريخ العائلي لمشكلات الصحة النفسية: فكثير من الاضطرابات النفسية، مثل الاكتئاب والفصام والاضطراب ثنائي القطب، تنتشر في بعض العائلات.
- تحدّيات الحياة الأخرى: مثل المرض الجسدي أو الخلافات مع العائلة أو الأصدقاء، أو مرض أو وفاة أحد أفراد الأُسرة.
طرق عملية لتحسين الصحة النفسية للرجال يوميًا
فيما يلي بعض النصائح لتحسين الصحة النفسية للرجال، ولكنّها ليست بديلًا عن العلاج إذا جرى تشخيص الرجال باضطرابٍ نفسي بالفعل:
1. تحدّث عمّا تشعر به حتى لو لم تكُن معتادًا ذلك
ابحث عن شخصٍ تثق به، مثل صديق أو أحد أفراد الأُسرة أو حتى مُعالِج محترف، وتحدّث معه بصدق عمّا تشعر به، وربّما لا يكون ذلك سهلًا في البداية، ولكن حاول تذكير نفسك بأنّ التعبير عن مشاعرك أمر جيد ولا يدعو للعار أو الخجل.
2. ضع حدودًا مع العمل
خُذ فترات راحة من العمل حتى لا يلتهمك التوتر، كما أنّ وضع حدود مع العمل، يجعلك أكثر إنتاجية على المدى الطويل؛ إذ يمنحك دفعة من الطاقة للتعامل مع بقية قائمة المهام الخاصّة بك، وهذا ضروري خصوصًا أنّ أعباء العمل اليوم من أشدّ ما يؤثِّر في صحة الرجل النفسية.
3. تقنيات الاسترخاء
حاول أن تُخصّص بضع دقائق يوميًا للاسترخاء واستعادة صفائك الذهني، ويمكِن أن يساعدك على ذلك تمارين التنفّس العميق أو استرخاء العضلات التدريجي؛ إذ تقلّل توترك.
4. خصّص وقتًا للهوايات
ينبغي تخصيص بعض الوقت للأنشطة التي تجعلك سعيدًا؛ إذ إنّ ذلك يُحسِّن المزاج ويستعيد اتزانك النفسي، سواء كان ذلك متعلقًا بتعلّم مهارة جديدة أو ممارسة الرياضة أو غير ذلك.
5. نَم جيدًا
النوم الجيّد سلاحك في مواجهة التوتر وتقليل آثار الاضطرابات النفسية عليك، فالنوم يعِيد ضبط جسمك بالكامل، بما في ذلك الصحة النفسية، لذا حاول أن تنام 7 - 9 ساعات كل ليلة.
6. احتفل بالإنجازات الصغيرة
لا بأس بأن تهنئ نفسك على الإنجازات الصغيرة التي تحقّقها يومًا تلو الآخر، فهذا يحافظ على إيجابيتك ويجعلك متحفّزًا لتحقيق المزيد، كما أنّ ذلك يبعث السرور على نفسك أيضًا.
متى يجب طلب المساعدة النفسية؟
أحيانًا لا تكفي النصائح وحدها في التغلب على المشكلات النفسية، وإنّما يكون هناك حاجة ماسّة إلى توجيه وخطة علاجية من قِبل طبيب نفسي، كما في حالة:
- تغيّرات ملحوظة في الشخصية أو أنماط النوم أو الأكل.
- عدم القدرة على التعامل مع الأنشطة اليومية.
- الشعور بالانفصال أو الانسحاب من الأنشطة العادية.
- الحُزن أو اللامبالاة لفترات طويلة.
- أفكار بشأن الانتحار أو إيذاء الآخرين.
- الغضب المفرط أو السلوك العنيف.
الرجال اليوم لا يكادون يسلمون من التحدّيات النفسية، التي تلقِيها عليهم الحياة أو العمل أو الأُسرة، كما أنّهم الأقل شكوى ممّا يواجهونه نفسيًا، لذا فإنّ الحفاظ على الصحة النفسية للرجال ليس من قبيل الترف، بل من الضروري الذي لا يقلّ أهمية عن الحفاظ على الصحة الجسدية.
