د. محمد النغيمش يكتب لـ«الرجل» : الاجتماعات الصامتة في أمازون
وضع مالك الموقع الشهير أمازون قواعد جديدة في إدارة الاجتماعات، وصفها بأنها من "أذكى القرارات" التي أسهمت في تحسين جودة الأداء والإنتاجية. القاعدة الرئيسة أسماها "الاجتماعات الصامتة" وهي تكون بداية كل اجتماع خالية من الكلام، إذ يُمنح المشاركون ما بين عشر دقائق إلى عشرين دقيقة لقراءة "مذكرة الاجتماع" التي تعد وفق منهجية معينة لا تتجاوز في أسوأ الأحوال ست صفحات.
الفكرة وجيهة ومؤثرة جدًّا. فمن خبرتي في حضور اجتماعات في قطاعات خاصة وعامة وغير ربحية، لاحظت أن كثيرين لا يقرأون المادة، بل يحاولون بطريقة مباشرة وغير مباشرة توجيه أسئلة ظاهرها استفهامي أو استنكاري لكنها في الأساس تنم عن عدم اطلاع على المادة المرسلة قبل الاجتماع. كنت أظن أن ذلك جزء من الثقافة العربية "الشفهية"، غير أنني لاحظت، حتى في كبريات الشركات التي شاركت في مجالس إداراتها، يأتي من اعتاد دخول الاجتماع من دون أن يقرأ حرفاً. فالأكثر لياقةً لا يصرح، بل يُرهِف السمع عله يلتقط خيط النقاش. أما الصريح فيستنزف أوقاتنا بأسئلة متتابعة ليفهم ما كان يُفتَرَض أن يُفهم قبل انعقاد الاجتماع. وما إن يلحظ المترددون هذا السلوك حتى ينساقوا إليه، فتتوالى الأسئلة، كاشفة أن غياب التحضير لم يعد استثناء، بل ظاهرة ليست مقصورة على الثقافة العربية، بل تتجاوزها نحو ثقافات أخرى أكثر تقدمًا.
ويعترف جيف بيزوس مؤسس أمازون، أن أوقاتهم كانت تضيع للأسباب نفسها، فوضع تصميمًا مختصرًا لست وريقات تحتوي على الفكرة، والمعطيات، والسياق، والمشكلة، والبدائل، والمخاطر، والتوصية، والخلاصة، وذلك لكي يتمكن المشاركون من قراءتها في أقل من ثلث ساعة، من دون المرفقات على ما يبدو.
وهناك دافع آخر وراء تبني مؤسس أمازون للاجتماعات الصامتة يتمثل في رغبته في ألا يجعل صوتًا يعلو على آخر. فعادة من يقود النقاش بأسئلة استفهامية أولئك الذين لم يقرأوا فيقول أحدهم لمن يقدم العرض التقديمي، أرجو أن تشرح لنا المشروع من بدايته، وهي إشارة صريحة إلى أنه لم يقرأ، فيهدر أوقات الحاضرين. ولذلك منع مؤسس أمازون منذ سنوات طويلة استخدام العروض التقديمية للإدارة العليا، لأنها تهدر أوقات من يعدونها ويزينونها، وينسى متخذو القرار، وسط بهرجة العروض، الفحوى الرئيسة.
اقرأ أيضًا: د. محمد النغيمش يكتب لـ«الرجل» : ضحايا التفكير الجماعي
كما أن من أكثر ما يهدر أوقات اجتماعاتنا تباهي من يقدمون لنا المادة بكبر حجمها ربما ليعطوا انطباعا بحجم الجهد المبذول. وقد سمعت ذات مرة بأذني من موظف في شركة لا أعمل بها، بأنه يتعمد أن يغمر المجلس بأوراق هائلة ومرفقات وتفاصيل حتى لا يسعهم الوقت للقراءة! وهذا في تقديري شكل من أشكال خيانة الأمانة، ولكن هذا ما انتبه له جيف مبكرًا عبر إلزام الجميع بقواعد صارمة لإعداد المذكرة، حتى ذاع صيتها.
ومما فعلت أمازون لرفع جودة الاجتماعات وقراراتها، وضع كرسي لا يجلس عليه أحد، باعتباره يمثل "العميل" فكلما تقدم أحد باقتراح نُظر إلى الكرسي الفارغ، وكأننا ينبغي أن ندرك تأثير كل قراراتنا على العملاء. كما أن هذا الكرسي يمنع الانحياز الداخلي تجاه أطروحاتنا وننسى صاحب الشأن الأساسي (الزبون).
الاجتماعات الصامتة لا تُلغي الحوار، بل تحرره من فوضى من لم يبذلوا جهدًا كافيًا للتحضير الجيد.
