وسام كيروز يكتب لـ«الرجل»: نحن نتغير بسرعة .. وسنصبح أغنياء أم أغبياء أم سعداء!
التكنولوجيا لم تعد تغير عاداتنا وقدراتنا فحسب، بل ربما تغير حياتنا وسماتنا البشرية. منذ آلاف السنوات، جعلنا التواصل شعوبًا وجماعات. نستقي من اتصالنا المشاعر والأحلام ونبيع عبره البضائع والأفكار. اليوم يمضي الشباب 4 ساعات في العزلة الرقمية. لن تروق لنا بعد ذلك رتابة البشر.
في الأثناء، يحق لنا أن نتساءل ما إذا كانت التكنولوجيا على وشك أن تقضي على أربعة قرون من الحرب على الأمية، وتأخذنا لزمن ما بعد الثقافة. مع قدرة انتباه بشري ما انفكت تتقلص لما دون الدقيقة، من سيقرأ كتب الفلسفة ومن سيكتب المعلقات. أما محتوى الثلاثين ثانية على تيك توك، فهو غالبًا من دون معنى، ولا يبحث عن المعنى، ولا يدعي المعنى. هو اكتفاء من جميع الأطراف بمتعة اللا شيء!
وسط هذه الحفلة من الخوف، تأتينا وعود بالثراء والسعادة بفضل التقنية والذكاء الاصطناعي.
إيلون ماسك يذهلنا بتصريح قادر على إصابة كل مفكر صادق بالبكم الفكري. قال حرفيًا: الفقر في العالم.. مشكلة هندسة!
لوهلة.. أردت أن أصدق هذه الكذبة الكبيرة التي ترى أن الفقر هو نتيجة خطأ هندسي.. ربما خطأ عمره 11 ألف سنة.
الحقيقة بالنسبة لكثيرين، أقرب إلى ما قالته مارغريت تاتشر قبل أربعين سنة: أكبر خطأ يمكن أن نرتكبه، هو أن نخلط بين الحرية والمساواة. الحرية حق.. والمساواة كذبة!
يقول الرأسماليون: الجشع والرغبة بالثراء والتفوق على الآخرين هما الصانع الحقيقي للعالم والتاريخ.
الوعد بالمساواة بفضل التكنولوجيا ليس غير مسبوق. ثمة أربعة وعود بالسعادة والمساواة ظهرت وأذهلت ثم فشلت فشلًا ذريعًا:
- في العشرينيات، أتتنا اليوتوبيا السوفياتية. عالم من دون مال وحيث العمل يحقق المساواة. سنعيش سعداء بفضل العمل والمساواة.. لسنا بحاجة إلى أن نذكر القارئ كيف انتهى هذا الوعد! شعوب من المتساوين في البؤس.. يحكمهم قلة يتناولون الكافيار في مكاتب الإدارة البائسة.
اقرأ أيضًا: وسام كيروز يكتب لـ«الرجل»: من هو الأعظم ... في عالم الموسيقى الكلاسيكية؟
في الخمسينيات، أتانا الوعد بيوتوبيا الماكينات: الماكينات ستجعلنا سعداء ولن نعمل في المستقبل! تقرير في الستينيات توقع أنه في عام 1980 سيعمل الإنسان في أمريكا 15 ساعة أسبوعيًا.
الحقيقية أن الانتاجية زادت والعمل أيضًا. بعد عقود من ذلك التقرير، أمريكيون كثر يعلمون 15 ساعة يوميًّا.
في السبعينيات وصلنا وعد جديد وجذاب. السباق إلى الفضاء سيجعلنا سعداء. حتى ناسا توقعت أنه في عام 2020 ستنتقل البشرية بشكل مؤقت إلى مركبة فضائية ضخمة بانتظار الوصول إلى كوكب جديد. لنا أن نتذكر ماذا حصل في 2020: أصبح كوكبنا فعلا مركبة فضائية مغلقة.. اسمها جائحة كورونا..
وفي التسعينيات أتتنا يوتوبيا الإنترنت: ستجعلنا الشبكة أغنياء وسعداء، ثم انفجرت فقاعة النت. افتقر كثيرون.. وأصبحنا معزولين.. ومحاصرين بالكراهية.
اليوم.. إيلون ماسك وغيره يقولون إن الذكاء الاصطناعي سيجعلنا سعداء ومتساوين.. ولكن في الحقيقة، هم يريدون أن نشتري روبوتاتهم وسياراتهم.. ونشتري أيضًا مرة أخرى كذبة السعادة القادمة. فاتنا جميعًا أن السعادة أبسط من ذلك بكثير!
