وسام كيروز يكتب لـ«الرجل»: هل ماتت الموسيقى؟
مع انقلاب السنوات ودخول القرن مرحلة النضج، ليس من هاجس يعتري البشر الذين يمتلكون رفاهية التفكير أكبر من هاجس الذكاء الاصطناعي. ذلك الهاجس الذي يرتدي وجه القلق أحيانًا ووجه الأمل أحيانًا أخرى، لا يدفع للخوف من فقدان الوظائف فحسب، بل للخوف على قدرتنا على التفكير والإبداع. لعلنا في هذه الزاوية نحكي عن القلق على الموسيقى.
ماتت الموسيقى، هكذا قال لي أحد شيوخ الموسيقى الكلاسيكية الأوروبية قبل سنوات. كان حينها في ظنه أن البشرية دخلت مرحلة اجترار الموسيقى، فلم يعد هناك شيء جديد منذ أكثر من مئة عام. لقد قيل كل شيء. قاله الكبار، وانتهى!
لكن الموت يُولد من رحم جديد اليوم. الموت على يد الذكاء الاصطناعي. صعقتني تطبيقات بسيطة، شبه مجانية، تستطيع أن تبني عملًا موسيقيًا في ثوان. ليس ذلك العمل المستولد بلحظات سخيفًا، ولا باهتًا ولا اصطناعيًا. يستجمع عصارة الموسيقى المسجلة عبر التاريخ، لإنشاء شيء جديد في ثوان. أوليس ذلك ما يفعله الموسيقيون؛ يغرفون من الخزانة المشتركة، لبناء لحن جديد؟!
والفتح التقني لا يقتصر على تأليف الألحان، بل، وهنا الأخطر ربما، على التوزيع وتحويل الألحان إلى موسيقى جاهزة للنشر. أما الأصوات التي تستخدمها هذه التطبيقات المتاحة للجميع، فليست أصواتًا اصطناعية أو إلكترونية، بل هي تجميع لأصوات الآلات الحقيقية، من مليارات الساعات المسجلة عبر التاريخ. سيأخذ الذكاء الاصطناعي هذه النوتة من هنا، وصوت تلك الآلة من هناك، وهكذا يبني موسيقى حقيقية، من خزان العالم. كأنه يفكك كل شيء، ليصنع الجديد من حطام القديم. أو لنقل، هكذا يحول إرث البشرية الموسيقي إلى قطع غيار متاحة لبناء جديد، من دون قصة، من دون مخاض، من دون ألم، وربما من دون روح.. لكنها موسيقى حقيقية بكل معنى الكلمة.
اقرأ أيضًا: وسام كيروز يكتب لـ«الرجل»: نحن نتغير بسرعة .. وسنصبح أغنياء أم أغبياء أم سعداء!
وهنا يبرز السؤال: هل يجب أن نقاوم؟ وهل ممكن أن نقاوم؟
الجواب هو لا. لم يستطع البشر في أي لحظة من لحظات التغيير العميق الذي تصنعه التكنولوجيا أن يقاوم. لا يمكن إعادة الساعة إلى الوراء. هل يجب أن نقاوم؟ حظًا سعيدا للمتحمسين لحماية محدودية الإنسان، كقيمة مطلقة تصنع القيمة والإبداع.
أنا منهم، ولكن.. ماذا لو كان ذلك المخاض العسير على المبدعين غربالًا قاسيًا لا يمر عبره إلا المبدعون الحقيقيون. لنفترض أن الذكاء الاصطناعي سيبدع كل شيء، مستندًا إلى الماضي، حينها تكون الموسيقى قد ماتت، ومات كل شيء. بعد سنوات قليلة فقط، يدخل العالم في الدوامة، وينتهي التاريخ.
المقاومون الحقيقيون، هم الذين سيستمرون في كتابة الأفكار الجديدة، وفي ابتداع الموسيقى الجديدة، والصور الجديدة، هم الذين سيمنعون الذكاء الاصطناعي من إدخالنا في الدوامة السحيقة، تلك التي يسقط فيها الإبداع، وتبتلع كل شيء.
أما بعد، فلا بد أن نتوقع قليلًا مما سيأتي: مطربون افتراضيون، ليس لهم أساس حقيقي. سيأتي توائم رقميون لفنانين مشاهير، أحياء أو أموات. أم كلثوم ستصدر أغاني جديدة، أسمهان وأم كلثوم معًا، على مسرح واحد، وفي عدة مسارح عبر العالم، وفي الوقت نفسه. الأحياء سيشتركون مع الأموات، المؤلفون سينتجون عددًا غير متناه من الأعمال الفنية، كلها تتنافس على سوق مشبعة، تعرف أن الموسيقى سلعة رخيصة، تنتجها الآلة في ثوان.
يبقى أننا بحاجة إلى الموسيقى في أكثر ما يجعلنا سعداء، وأكثر ما يجعلنا بشرًا، وهي الطقوس.
في كتاب من أجمل كتب التاريخ، يحكي أنطوان دو سانت إكزوبيري قصة "الأمير الصغير" وصديقه الثعلب.
عندما سأل الأمير صديقه عن الطقوس، شرح الثعلب أنها "ما يجعل يومًا مختلفًا عن الأيام الأخرى، وساعةً مختلفةً عن الساعات الأخرى"، مثل رقصات الصيادين يوم الخميس. هو يعلم أنه عندما يرقص الصيادون، يمكن أن يذهب هو لاصطياد الدجاج!
فلتبق الطقوس.. ولتحيا الموسيقى!
