د. محمد النغيمش يكتب لـ«الرجل» : القيادة الصامتة
كثير من القياديين يجيدون الحديث، وقلة منهم تدرك قوة فضيلة الإنصات. فمن يُحسن الإصغاء أقدر على امتصاص المشاعر، والصدمات، وخيبات الأمل، ولذلك ينجذب إليه من حوله للبوح بمكنوناتهم. فليست كل الشكاوى بحاجة إلى حلول، بقدر ما تحتاج إلى آذان مصغية.
ولذلك حينما أجرت إحدى الشركات تحليلًا لتقييم الأداء من جميع الاتجاهات (360) لما يزيد على أربعة آلاف قائد، تبين أن أكثر سلوكين مرتبطين بالثقة كانا: جودة الإنصات والانتباه الحقيقي للآخر. إذن من يرهف السمع يغرس في نفوس من حوله الثقة.
وروعة القائد لا تكمن فيما يقوله، بل فيما يتركه في نفوس من حوله من راحة، وطمأنينة، وشعور عميق بالاحترام، والتقدير. إنه يخفف التوتر لا بالحلول بل بآذان مصغية. وعلى الجانب الآخر حينما يمارس المسؤول الإنصات الحقيقي والصادق على مدار العام تتكون لديه حصيلة هائلة من المعلومات، والقدرات التي تعينه على تقدير الموقف وفهمه مثل طرق حل النزاعات، ومعرفة وجهات نظر كل الأطراف، ونقاط القوة والضعف وغيرها. كل ذلك يمكنه من حسن اتخاذ القرار.
اقرأ أيضًا: د. محمد النغيمش يكتب لـ«الرجل» : الاجتماعات الصامتة في أمازون
قرأت عديدًا من "أمهات الدراسات" الرصينة التي تؤكد أن سحر تأثير القياديين يتغلغل في نفوس الناس من خلال "كلامهم". هذه حقيقة أصبحت راسخة في الأدبيات العلمية للقيادة. والمفارقة أن العلماء حينما درسوا أكثر مهارة تأثيرًا من قائمة عشرات المهارات تربع "الإنصات" على رأس القائمة. ولم يتبق سوى مهارتين من مهارات التواصل الأربعة وهما "الكتابة" التي لا يبدو أن لها تأثيرًا كبيرًا للقائد، لأنه لا يستخدمها يوميًّا في التواصل الشفهي. بقيت المهارة الرابعة وهي "القراءة" التي لا شك في أنها أساس متين يقوي المقدرة على التحدث لأنها تزوّد صاحبها بمعين لا ينضب من المفردات والمعلومات والعمق. فكثير من البارزين الذين تشرئب لهم الأعناق عند حديثهم كان لديهم مخزون وفير من القراءة.
والمتأمل لفضيلة الإنصات يجدها جامعة لكل المزايا الجاذبة في الشخصية القيادية. غير أن الإصغاء وحده لا يكفي، إذا كان يفتقر للصدق والعفوية والقراءة المستمرة التي تزود صاحبها بالمعلومات التي تساير عصره وتخصصه ومجريات الأحداث. هنا تصبح "القيادة الصامتة" أكثر تأثيرًا وأقل ضجيجًا.
