وسام كيروز يكتب لـ«الرجل»: عندما تحكم الظروف غير المتوقعة مشاريعنا الشخصية
في زمنٍ لم يعد فيه الثبات قاعدة، بل استثناءً مؤقتاً، يجد الإنسان نفسه أمام مفارقة وجودية عميقة: نحن نخطط بعناية لمستقبلنا الشخصي، بينما تُكتب مصائرنا الفعلية غالباً بقلم الظروف الخارجية. الاقتصاد، الأزمات، التحولات السياسية، حتى الصدمات الصحية العالمية، لم تعد مجرد أحداث عابرة في نشرات الأخبار، بل تحولت إلى قوى خفية تعيد تشكيل مسارات الأفراد ومشاريعهم، بصمتٍ أحياناً، وبعنفٍ أحياناً أخرى.
لطالما آمن الإنسان الحديث بفكرة السيطرة: خطة خمسية، مسار مهني واضح، مشروع شخصي متماسك. لكن عالم اللايقين، كما وصفه الاقتصادي جون كينيث غالبرايث في "عصر عدم اليقين"، يقوم على حقيقة بسيطة وصادمة: المستقبل بطبيعته غير قابل للتنبؤ. هنا تبدأ أولى التصدعات في وهم التخطيط الصلب، حيث تتحول الخطط إلى احتمالات، والطموحات إلى سيناريوهات مفتوحة على المفاجآت.
التاريخ الاقتصادي نفسه يهمس بهذه الحقيقة. جوزيف شومبيتر تحدث عن "التدمير الخلاق"، حيث لا يأتي التقدم عبر الاستقرار، بل عبر الانهيارات الدورية التي تفتح المجال لدورات جديدة من الابتكار. في هذا السياق، لا تكون التقلبات الخارجية مجرد تهديد للمشاريع الشخصية، بل قد تكون أيضاً شرطاً لولادة مشاريع أكثر نضجاً ومرونة.
ومن زاوية فلسفية أعمق، كتب كارل ماركس عبارة تختصر مأزق الإنسان الحديث: "الناس يصنعون تاريخهم، لكن ليس في ظروف يختارونها بأنفسهم". هذه الجملة، رغم قدمها، تبدو اليوم أكثر حداثة من أي وقت مضى. فالفرد قد يختار مهنته، لكنه لا يختار الأزمات الاقتصادية. وقد يخطط لمستقبله، لكنه لا يتحكم بدورات السوق أو التحولات التكنولوجية أو الاضطرابات الجيوسياسية.
هنا يتسلل القلق الوجودي إلى الحياة المهنية. سورين كيركغارد وصف القلق بأنه "دوار الحرية"، أي ذلك الشعور الناتج عن إدراك اتساع الاحتمالات وعدم استقرارها. ومع تسارع التغيرات العالمية، أصبح هذا الدوار جزءاً من التجربة اليومية للإنسان المعاصر: موظف يعيد التفكير بمساره، مستثمر يعيد حساب المخاطر، ومبدع يعيد تعريف مشروعه تحت ضغط واقع متغير.
حتى نسيم نيكولاس طالب في "البجعة السوداء" يؤكد أن الأحداث النادرة ذات التأثير الكبير هي التي تشكل مسار التاريخ أكثر مما نتوقع. أي أن مشروعاً شخصياً قد يتغير بالكامل بسبب حدث غير متوقع: أزمة مالية، طفرة تكنولوجية، أو تحول ثقافي عالمي.
ومع ذلك، لا يعني هذا أن الإنسان ضحية مطلقة للظروف. داروين، في جوهر نظريته عن التطور، أشار إلى أن البقاء ليس للأقوى، بل للأكثر قدرة على التكيف مع التغيير. في عالم الاقتصاد الحديث، أصبحت المرونة رأس المال الحقيقي، والقدرة على إعادة التموقع أهم من الاستقرار الوظيفي ذاته.
في المقابل، يحاول الإنسان دائماً أن يمنح الفوضى معنى. يوفال نوح هراري يرى أن البشر "ينسجون القصص" لفهم واقعهم، أي أنهم يعيدون سرد حياتهم بطريقة تجعل التقلبات تبدو منطقية ضمن قصة شخصية متماسكة. وهنا يتحول المشروع الشخصي من خطة جامدة إلى رواية ديناميكية تتشكل مع الزمن.
في النهاية، ربما لا تكمن الحكمة في محاولة السيطرة على الظروف، بل في فهم إيقاعها. الأزمات تكشف ما هو ضروري حقاً. وفي زمن التقلبات الكبرى، لم يعد السؤال الأهم: ماذا سنخطط؟ بل كيف سنتكيّف؟
لأن الإنسان، في جوهره، لا يعيش داخل مشروع شخصي فحسب، بل داخل زمن تاريخي متحرك، يرفع مشاريع ويعيد صياغة أخرى، ويذكرنا دوماً بأن الثبات فكرة نفسية أكثر منه حقيقة.
