د. محمد النغيمش يكتب لـ«الرجل» : حين تخاف الأذن!
عندما يخاف المرء تستيقظ حواسه، وتحديدًا حاسة السمع. الخوف مثير يجعل الإنسان يرهف السمع لتفاصيل ما يجري حوله. وكأن الأذن جهاز إنذارٍ دائم، ولذلك محاسن ومثالب.
فعندما يقف المتهم أمام القاضي في جلسة النطق بالحكم، لا شك أنه يكون أكثر الحاضرين توترًا، فيصغي بكل جوارحه، ويترقب كل كلمة، إذ تحدد مصيره.
الدراسات العلمية تشير إلى أن ارتفاع التوتر يجعل الإنسان أكثر حساسية لالتقاط التهديدات السمعية. فقد أظهرت دراسة "ددلي" وزملائه (2014) أن ارتفاع الاستثارة النفسية يزيد من قدرة الإنسان على اكتشاف الأصوات المرتبطة بالخطر، لكنه في الوقت نفسه يرفع احتمالية الاستجابة لتهديدات سمعية غير موجودة سوى في مخيلته. كما أن اللوزة الدماغية، وهي المركز المسؤول عن معالجة الخوف والانفعالات، تقوم بتعزيز الانتباه للأصوات الخطرة.
المفارقة أن الدماغ لا يتعامل مع الأصوات بحياد، إذ يعطي أولوية لما قد يشكل تهديدًا.
والخوف لا يكتفي بتحفيز السمع، بل يحول الإنسان إلى ما يشبه "الرادار الصوتي". إذ يزيد من سرعة إدراك المنبهات، ويرفع مستوى اليقظة السمعية، والاستعداد لالتقاط إشارات الخطر. هي فطرة أودعها الله تعالى فينا لنبقى في حالة تأهب.
أما في البيئات التعليمية، فالصورة تختلف. فحينما يكون المعلم صارمًا إلى حد إثارة الخوف، فإن ذلك يضعف تركيز الطلبة، ويربك فهمهم، ويقلل مقدرتهم على تفسير ما يسمعونه. فقد أظهرت دراسة "سيوي هي" وزملائه (2024) التي عرضها في أحد المؤتمرات أن القلق في أثناء الاستماع (في تعلم لغة ثانية) يؤدي إلى ضعف الفهم ونسيان المفردات.
ومن الحكمة عدم المبالغة في إخافة السامع في القاعات الدراسية ومن نحاور حتى يشعر بأريحية التواصل. لا بأس من تغيير الاستراتيجية بحسب مقتضيات الموقف لكن القاعدة العامة أن الحوار يحتاج إلى أجواء مريحة لتعميق الفهم وتبادل الأفكار والرؤى.
الإنصات يتطلب حالة مزاجية معتدلة. وذلك لأنه من خلاله تنتقل المعلومات، والمشاعر، والحقائق، حتى النيات وشيء من الضغائن. فكلما أرهف المرء سمعه سمع ما يبحث عنه. حين يستبد الخوف بصاحبه قد يعمق تركيزه لكنه في الوقت نفسه قد يفسد متعة المتابعة.
ولذا كان من الحكمة تأجيل الحوارات حتى تهدأ النفس وتكون أكثر تقبلاً لتبادل أطراف الحديث بأريحية.
