د. محمد النغيمش يكتب لـ«الرجل» : فضيلة الإنصات.. أصل الحوكمة
تاريخيًّا، بدأت فكرة الحوكمة الرشيدة عبر إرهاف السمع جيدًا بين التجار ومن يقوم بالتدقيق على دفاترهم. فالحوكمة التي تعني نظام توجيه ورقابة يضمن المساءلة والشفافية وحماية الحقوق، لم تبدأ قديمًا بتقرير مكتوب، بل نمت وتطورت من جلسات الاستماع.
"التدقيق" Auditing مفهوم بديهي قديم في "الرقابة" على الأداء المالي والإداري، وهو أداة من أدوات الحوكمة الحديثة. بعبارة أخرى، الحوكمة توجه معاصر احتضن في كنفه أداة التدقيق. وقد عايشت ثمار التدقيق في أثناء ترؤسي لجانه المنبثقة من مجالس الإدارة لشركات مدرجة في البورصة. ووجدنا على أرض الواقع كيف يكون التدقيق وسيلة فعالة من وسائل تطبيق الحوكمة.
واللافت أن كلمة audit أصلها لاتيني وتعني "يستمع"، أي كان الإقطاعيون والمسؤولون الحكوميون وأصحاب الأعمال التجارية يستمعون إلى تفاصيل الحسابات للتأكد من دقتها. وانسحب المفهوم في عصرنا إلى العمل المؤسسي المكتوب عبر ديوان المحاسبة والمراجعة الذي يدوّن بتقارير رصينة "المخالفات" و"الملاحظات" عن كل شيء تقريبًا. والالتزام بهذه التقارير هو إحدى صور الرشد المؤسسي.
في عصرنا، لم يعد المدقق يستمع فحسب، بل يصدر تقارير مكتوبة توثق شتى أنواع المخالفات. كما أن المدقق حينما ينبهنا كمسؤولين إلى وجود "ملاحظة" فذلك يعني أن هذا الأمر إن تم تجاهله فسوف يتحول إلى "مخالفة" لها تداعيات مالية وإدارية. والمخالفة قد تكون للائحة الداخلية أو لقوانين الدولة. إذن "الملاحظة" أشبه بالنصيحة المهنية أما "المخالفة" فهي ما يشبه الإدانة التي يمكن أن يؤخذ على إثرها إجراء داخلي أو خارجي من الجهات الرقابية ضدنا. لا سيما أن المدقق صار في وقتنا الراهن مستقلاً، ومرخصًا، وليس "موظفًا" يعينه أرباب العمل ليتلو عليهم حساباتهم، ويؤثرون عليه ويوجهونه.
ويمكن أيضًا أن ننجح في إلغاء المخالفة أو تخفيف حدتها من اللون الأحمر إلى البرتقالي مثلًا، إذا تمكنا من تزويد المدقق بمبررات وجيهة لتصرفاتنا أو قراراتنا. ويأتي ذلك أيضًا بجلسة استماع هادئة تُطرح فيها حجج موضوعية.
اللافت أن كل تطور مؤسسي في العالم بدأ بسؤال بسيط "دعني أسمع ماذا حدث". ولولا تلك الجلسات الشفهية الأولية، لما صارت لدينا أصلًا لجان مراجعة، ولا تقارير سنوية، ولا نظام حوكمة شامل ومستقل. ولولا الإصغاء إلى الحيثيات لما أصبحت لدينا مقدرة أصلًا على حل مشكلة.
كان التدقيق يُطبق في نطاق تجاري ضيق، ونطاقات محدودة مرتبطة بالدولة كمصاريفها ومداخيلها وقراراتها الاستراتيجية. غير أن الحكومات استفادت من التطور المؤسسي لأدوات الحوكمة، فصارت تشمل في عصرنا كل قطاعات الدولة. فأضحت مهمة المسؤول الجديد التمعُّن جيدًا في "تقرير" المدققين ولم يعد بحاجة إلى البحث عن شخص "يسمعه" فقط.
خلاصة القول، إن أولى خطوات حل المشكلة تبدأ بحسن الإنصات إلى تفاصيلها، من الأطراف المعنية والمحايدة حتى تتبلور الصورة. وفي البدء كان لفضيلة الإنصات الفضل في تطوير فكرة الحوكمة المعاصرة وأدوات التدقيق التي أضحت اليوم أقوى وسائلها الرشيدة.
