وسام كيروز يكتب لـ«الرجل»: خمسة أسئلة لزمننا… نهاية الانتباه واستعادة السيطرة
اليوم، لم تعد المشكلة أننا لا نملك الوقت، بل أننا لم نعد نملك أنفسنا داخل هذا الوقت. نستيقظ فنجد أن هناك من فكّر عنا، اختار لنا، واقترح علينا: ماذا نأكل، ماذا نكتب، ماذا نشاهد، حتى ماذا نشعر.
التقنية لم تعد مجرد أداة نستخدمها عند الحاجة، بل أصبحت شريكًا في صناعة حياتنا، وخياراتنا، وغدًا قصتنا وذكرياتنا. كل شيء صار أسهل وأسرع، وأكثر سلاسة… لكن هل نعيش أكثر بينما ننجز أكثر؟
في هذا الزمن، لا نحتاج إلى إجابات جاهزة بقدر ما نحتاج إلى أسئلة دقيقة. أول هذه الأسئلة: هل نفقد قدرتنا على اتخاذ القرار؟ حين يقترح عليك الذكاء الاصطناعي ماذا تأكل، ماذا تكتب، وماذا تقول، هل يتحول القرار إلى خيار من دون روح. القرار مثل العضلة، إن لم نستخدمها تضعف. كيف لا ندخل زمن ضمور عضلة الاختيار!
السؤال الثاني يتسلل بهدوء إلى تفاصيل يومنا: لم نعد نشعر بالملل، لكن ماذا خسرنا؟ الملل لم يكن عدوًا، بل كان مساحة. مساحة للتفكير، للتأمل، للخيال. اليوم، أول لحظة فراغ تُملأ فورًا بشاشة أو إشعار أو محتوى جديد. لم نعد نحتمل الصمت، ومع غياب هذا الصمت تختفي اللحظة التي نلتقي فيها بأنفسنا، اللحظة التي تولد فيها الأفكار الحقيقية.
أما السؤال الثالث، فيتعلق بما نحمله داخلنا… أو لم نعد نحمله: هل أصبحت ذاكرتنا خارجنا؟ لم نعد نحفظ أرقامًا ولا مواعيد ولا تفاصيل صغيرة. كل شيء محفوظ، لكن ليس فينا، بل في الهاتف، في التطبيقات، في السحابة. قد يبدو ذلك تحررًا من عبء، لكنه قد يكون أيضًا تخلّيًا تدريجيًا عن جزء من ذاكرتنا الإنسانية. فالذاكرة ليست مجرد تخزين معلومات، بل بناء معنى. فهل نخفّف عن عقولنا، أم نفرّغها؟
السؤال الرابع يضعنا أمام وهم القوة: هل سرعتنا الجديدة تخفي هشاشتنا؟ نقرأ أسرع، ونقرر أسرع، ونتحرك أسرع، لكن الفهم لا يحب السرعة. العمق يحتاج إلى وقت. في عالم يكافئ السرعة، قد نبدو أكثر كفاءة، لكننا قد نكون أقل فهمًا. فهل نحن أقوى حقًا أم فقط أسرع؟
يبقى السؤال الأخير، وربما الأهم: هل ما زلنا نشعر بأننا نعيش؟ في زحمة الإشعارات والتحديثات والمحتوى المتدفق بلا توقف، يصبح الشعور نفسه سريعًا ومجزأً. نفرح بسرعة، نحزن بسرعة، وننسى بسرعة. لكن الحياة ليست لحظات متفرقة، بل تجربة متكاملة، إحساس يتراكم ولا يمر مرورًا عابرًا. فهل ما زلنا نعيش، أم فقط نواكب؟
في النهاية، الخطر ليس في التقنية بل في العلاقة الصامتة التي نبنيها معها. أن نكون متصلين دائمًا لا يعني أننا حاضرون، وأن تكون كل الإجابات متاحة لا يعني أننا نفهم. ربما التحدي الحقيقي اليوم ليس أن نواكب السرعة، بل أن نحافظ على أنفسنا داخلها. أن نختار، ولو ببطء. أن نصمت، ولو قليلًا. أن نشعر بعمق. لأن السؤال الأهم لم يعد: ماذا يمكن للتقنية أن تفعل لنا؟ بل: ماذا قد تأخذ منا… دون أن ننتبه!
