راكان طرابزوني يكتب لـ«الرجل» : الطريق الذي لا نراه
تحدثت الشهر الماضي عن أهمية الخروج من منطقة الراحة ومواجهة التحديات والمخاوف، حيث إن النجاح يكمن خارجها. ولكن في بعض الأحيان نكتشف أن الحل ليس خطًّا مستقيمًا دائمًا، وأن النجاح طريقه متعرج، وأن الحياة لا تكافئنا دائمًا بمجرد أننا فعلنا كل شيء بشكل صحيح، فالقدر له شأن آخر. أحيانًا نغامر، نعمل بجد، نلتزم، ثم نفاجأ بأن النتيجة ليست كما توقعنا، فلا نحصل على الهدف الذي وضعناه نصب أعيننا، وهنا يبدأ الامتحان الحقيقي.
في تلك اللحظة يتسلل شعور غريب: ارتباك، إحباط، وربما إحساس بأن شيئًا ما غير منطقي أو غير صحيح قد حدث. فنحن نكبر على معادلة بسيطة: اعمل بجد، تحصل على ما تريد. لكن الحياة لا تعمل بهذه البساطة. الجهد شرط، نعم، لكنه ليس ضمانًا. والنتيجة ليست مرآة مباشرة لما بذلناه. هناك عوامل لا نراها، مواقيت لا نتحكم فيها، وأقدار تتحرك بطرق لا نفهمها ونحن في قلب التجربة.
أحيانًا لا نحصل على ما نريد لأن ما نريده لم يكن مناسبًا لنا، أو لسنا جاهزين له. وأحيانًا نخسر فرصة كنا نتمسك بها لأنها كانت ستقودنا إلى طريق مسدود. وأحيانًا يبتعد أشخاص نظن أننا بحاجة إليهم، ثم نكتشف لاحقًا أن غيابهم كان حماية ربانية لا نفهمها إلا بعد أن نبتعد خطوة. وكما في الأثر (لو كشف الله عنك غطاء الغيب لما اخترت غير الواقع). لو رأينا الصورة كاملة، لاخترنا ما حدث لنا بالضبط، حتى لو لم يرق لنا في حينه.
الحياة لا تعطينا دائما ما نريده، لكنها تعطينا غالبًا ما نحتاج إليه. والرغبة شيء، والحاجة شيء آخر تمامًا. الرغبة صوت اللحظة، بينما الحاجة صوت المستقبل. الرغبة تبحث عن الراحة، أما الحاجة فتبحث عن النمو. ولهذا كثيرًا ما نشعر أن الحياة تأخذ منا أو تحرمنا حلمًا ما، بينما هي في الحقيقة تعيد تشكيلنا.
ففي الواقع القدر يفهم عند النظر إلى الماضي، لا إلى الحاضر أو المستقبل. عندما نربط النقاط، نكتشف أن ما ظنناه فشلًا كان خطوة ضرورية، وأن ما ظنناه خسارة كان تحريرًا، وأن ما ظنناه عقبة كان اختبارًا لصبرنا أو لصلابتنا أو لصدق نياتنا. الحياة تبدو فوضوية ونحن داخلها، لكنها منطقية عندما ننظر إليها من بعيد.
القائد الحقيقي لا ينهار عندما لا تأتي النتائج كما توقع. ولا يجلد ذاته، ولا يفترض أنه فشل. بل يتعامل مع الواقع كما هو، لا كما يريد أن يكون. يعترف بمشاعره دون أن يسمح لها بأن تعطل مساره. يبحث عن المعنى بدلًا من البحث عن المذنب. ويستمر في الحركة، لأن الحياة تكافئ من يستمر، لا من يصيب دائمًا. في تلك اللحظات تكون أهم الخصال المطلوبة هي القدرة على المضي قدمًا، والتعلّم مما حدث، والتكيف سريعًا مع المعطيات الجديدة، وعدم التعلق بالأطلال.
الخروج من منطقة الراحة خطوة شجاعة، لكن الأكثر شجاعة هو أن نتقبل أن النتائج ليست دائمًا تحت سيطرتنا. أن نفهم أن الحياة لا تعمل وفق رغباتنا، بل وفق احتياجاتنا. وأن نثق، رغم الألم، أن ما يحدث الآن سيكشف الله لنا حكمته لاحقًا.
في النهاية، ليست مهمتنا أن نفهم كل شيء ونحن في منتصف الطريق، بل أن نسعى، فليس للإنسان إلا ما سعى، وأن نواصل السير بثبات، وأن نثق أن النقاط ستتصل، عندما يحين وقتها.
"وَعَسَىٰ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ". — سورة البقرة (آية 216)
