وسام كيروز يكتب لـ«الرجل»: رأيك سجن تحرر منه
"وحدهم الأغبياء لا يغيرون رأيهم". مقولة صادمة تنسب لكثيرين في التاريخ. تنسب أحيانا لونستون تشرتشل الذي يضيف الأموات إلى الأغبياء، وتنسب أحيانًا لرجل الأعمال الأميركي جون باترسون، لكن في كل الأحوال، يبدو أن قدرة الإنسان على تغيير رأيه مهما كان، من شيم صناع التاريخ.
كثيرون يحملون رأيهم مثل عبء أو هوية، كثيرون يدافعون عن رأيهم كمن يدافع عن شرفه. الرأي في النهاية ابن الطبيعة والمصادفة، ابن الأصيل والمتغير.
ولا بد هنا أن تفرق بين تغيير الرأي بالقناعات، وبالأشخاص وبالقيم. أصعب هذه دون شك هو أن يغير الإنسان رأيه بمن يحب أو بمن أحب. كما يقول الثعلب "للأمير الصغير" في رائعة سانت إكزوبيري "نحن مسؤولون إلى الأبد عمّا استأنسناه". الأشخاص الذين نحبهم، نشعر بالمسؤولية عنهم إلى الأبد، وعندما نغير رأينا بهم، نتألم.
وبما أننا بدأنا بمقولة مجهولة المصدر، فلم لا نخوض في ما قال السابقون عن تغيير الرأي، فضائله ومصائبه؟
حين تتغير الأحداث، يصبح الرأي القديم أشبه بصورة قديمة نحتفظ بها لأنفسنا، لا لأنها تعبّر عنا اليوم، بل لأنها تذكّرنا بمن كنّا. العالم لا يبقى على حال، والوقائع لا تحفظ ولاءها لأحد. ما كان يقيناً بالأمس قد يصبح وهماً اليوم، وما بدا مستحيلاً قد يغدو بديهياً. هنا، لا يعود تغيير الرأي تراجعاً، بل يصبح شجاعة عقلية. كما قال John Maynard Keynes: «حين تتغير الحقائق، أغيّر رأيي. ماذا تفعل أنت يا سيدي؟» عبارة تختصر مأزق الإنسان مع غروره. هل نحن أوفياء للحقيقة، أم أوفياء فقط لما سبق أن قلناه؟ ويضيف جورج برنارد شو معنى أكثر حدّة: «من لا يستطيع تغيير رأيه، لا يستطيع تغيير أي شيء». الرأي الذي لا يتبدل أمام المعطيات، لا يصبح ثباتاً… بل يتحول إلى جمود.
أما في القيم والمبادئ، فالمسألة أكثر تعقيداً. لأن تغيير الرأي هنا لا يمس فكرة عابرة، بل يمس الهيكل الداخلي للإنسان؛ تعريفه للخير، للعدل، للكرامة، ولما يستحق أن يُدافع عنه. هناك من يغيّر مواقفه كلما تبدلت المصلحة، وهناك من يتصلّب حتى في الخطأ لأنه يخشى الاعتراف بأنه كان مخطئاً. بين هذا وذاك، مساحة النضج. أن تراجع فهمك للمبدأ، لا أن تبيع المبدأ نفسه. أن تنضج قناعتك، لا أن تستبدلها عند أول اختبار.
هنا تستحضر كلمات تشرشل: «لا تستسلم أبداً… إلا لقناعات الشرف وحسن العقل». ليست البطولة أن تتمسك بكل ما آمنت به يوماً، بل أن تعرف ما الذي يستحق الثبات، وما الذي يحتاج إلى مراجعة. لأن الإنسان بلا مبادئ ورقة في مهب الريح، لكن الإنسان الذي لا يعيد النظر في فهمه للمبادئ، قد يتحول إلى حجر.
ثم يأتي الامتحان الأصعب: الأشخاص. أن تغيّر رأيك في فكرة، ممكن. في حدث، طبيعي. أما في إنسان أحببته، فذلك يشبه اقتلاع جذر من قلبك. لأننا حين نحب، لا نرى من أمامنا فحسب، بل نبني داخلاً صورة كاملة عنه؛ صورة نسكنها بقدر ما يسكنها. وحين تنهار، لا يسقط الشخص وحده، بل يسقط جزء من عالمنا الداخلي. لذلك مقولة الثعلب للأمير الصغير مؤلمة: نبقى نحاول الدفاع عن نسختهم القديمة في ذاكرتنا، لأن تغيير رأينا فيهم هو اعتراف مؤلم بأن القلب نفسه يمكن أن يخطئ في القراءة.
وفي النهاية، يصبح الرأي سجنًا عندما يكون أقوى من المعطيات، وأقوى من الرياح التي تغير كل شيء ومن الوقت الذي لن يبقى نجمًا في مكانه.. لأن النجوم تموت، وغالبا.. ماتت!
