في مدح الكسل!
لماذا نشعر بأن الوقت يمرّ بسرعة وأن الأيام تتسرب مثل الرمال بين الأصابع؟ يظن كثيرون أن الرتابة هي ما يجعل الأيام باهتة وبلا وزن، فيبقى أثرها خفيفاً في سجل الحياة. وصفة الإنسان القديمة كانت شحن اللحظات بالأحداث والأشخاص فيعظم ثقلها في الذاكرة. في زاويتنا اليوم وصفة أخرى: جرّب الكسل!
الكسل هنا ليس استسلاماً ولا تخلياً عن شؤون الحياة، بل مقاومة للحياة بالحياة ذاتها، بالتنفس، بالأناقة، بعدم الاستسلام للسرعة. مدح الكسل ليس استفزازاً، بل تحدياً لعالم يختار وتيرة كل شيء، لعالم يحملنا ولا نحمله، يوجهنا ولا نوجهه.
في كتابه "إنسان مفرط في إنسانيته" يشير الفيلسوف نيتشه إلى أن الفراغ والكسل حالة نبيلة. ببساطة، يرى الفيلسوف الألماني أن الإنسان الذي يتوقف عن الركض وراء العمل المستمر قد يكون "إنساناً أفضل" من ذلك الذي يغرق في النشاط المحموم بلا هدف.
لكن الحياة هي الهدف. الحياة هي الوسيلة والمآل. نافذتنا الوحيدة على شيء، هي نحن، والوقت.
ولشعوب الأرض جميعها شأنها الخاص في مدح الكسل، وفي فلسفة التوقف عن ملاحقة الفعل.
يردد الإيطاليون عبارة قديمة بسيطة: "دولتشي فارنيينتي"، أي "اللذة في ألا تفعل شيئاً". هذه الفلسفة ليست خمولاً ولا زهداً. يمارسونها بأناقة شديدة. بثياب منمقة ونظارات شمسية جذابة. إنه الوقت اللازم لارتشاف كوب إسبرسو على طاولة عالية، والسير دون هدف في شارع يملؤه الجميلون والجميلات.
وفي الدنمارك، هناك فلسفة كاملة تحمل اسماً يبدو دافئاً حتى قبل فهمه: "هوغي". ليست مجرد فكرة عن السعادة، بل عن دفء الحياة في أبسط صورها. ضوء أصفر خافت، بطانية في مساء بارد، حديث طويل مع شخص نحبه، أو كوب قهوة في يوم ممطر. الفكرة بسيطة: بعض اللحظات الصغيرة ليست استراحة من الحياة، بل الحياة نفسها.
وفي هولندا، هناك "نيكسن"، فن ألا تفعل شيئاً على الإطلاق. لا قراءة، ولا إنتاجية متنكرة في هيئة راحة، ولا محاولة مستمرة لتطوير الذات. فقط الجلوس والتحديق من نافذة أو مراقبة غيمة تعبر السماء. فكرة تبدو ثورية في عصر حوّل الراحة إلى مهمة.
أما الصينيون القدماء، فقد عرفوا فلسفة "وو واي"، أو "عدم الفعل". ليس المقصود التوقف عن العمل، بل التوقف عن مصارعة الحياة باستمرار. ليس علينا أن ندفع كل باب بقوة. بعض الأبواب تفتح عندما نتوقف عن طرقها بعنف.
وفي السويد، هناك "لاغوم": ليس كثيراً وليس قليلاً، بل القدر الكافي فقط. ربما لأن الامتلاء المفرط ليس دائماً علامة غنى، بل قد يكون شكلاً آخر من الفوضى.
ربما المشكلة ليست في أننا أصبحنا أسرع، بل في أننا أصبحنا نعتقد أن السرعة فضيلة. وأن الشخص الأكثر انشغالاً هو الأهم. بينما قد يكون أكثر الناس امتلاءً بالحياة، هو ذلك الذي ما زال يجد وقتاً لينظر من نافذة سيارة دون أن يخرج هاتفه.
مدح الكسل ليس تخليًا عن حب الحياة، بل معانقة للحياة بالحياة، وللوقت بالوقت. في عصر السرعة، لنتذكر أن في الحياة البطيئة إكسير الوعي وحساب الذكريات!
