د. محمد النغيمش يكتب لـ«الرجل» : حين يُغيّر الصوت مجرى المباراة
ما زال المؤرخون الرياضيون يعتبرون أن لحظة نزول الشيخ فهد الأحمد الصباح إلى أرض الملعب في مونديال كأس العالم 1982 احتجاجًا على قرار الحكم، إحدى أكثر الوقائع شهرة في تاريخ كرة القدم. إذ قيل إن رئيس الاتحاد الكويتي لكرة القدم هدد بانسحاب أول منتخب خليجي يدخل نهائيات كأس العالم إن احتسب الحكم الهدف الفرنسي الذي سُجِل بعد توقف لاعبي الكويت فور سماعهم لصافرة قوية تبين لاحقا أنها جاءت من المدرجات. ظن لاعبو منتخب الكويت أنها صافرة الحكم السوفيتي "ستوبار"، الذي مُنِع لاحقًا من تحكيم مباريات المونديال.
وصفت هيئة الإذاعة البريطانية bbc، الواقعة بأنها "من أكثر اللحظات إثارة للجدل في تاريخ كأس العالم"، حيث تراجع الحكم عن قراره الأول ليلغي هدف فرنسا، فغضب الفرنسيون. وبعد توقف طويل استؤنفت المباراة من جديد.
الحوار يشبه كرة القدم، يمكن أن يؤثر لاعب واحد على مجريات المباراة بعدم التزامه بأبجديات الحوار (اللعب). فليس كل ما نسمعه حقيقة محضةً لكنه يمكن أن يربك الحوار ويخلق بلبلة. وعليه يجب التفريق بين الحقيقة والرأي، فالأولى لا خلاف عليها، لكن الرأي قابل للاختلاف. بل إن ما نظنه حقيقة أحيانًا لا يثبت إلا بدليل قاطع.
ولذلك اضطرت "الفيفا" عام 2016 إلى إدخال تجارب تقنية الفيديو المساعد (VAR)، وتزويد الحكم الرئيس بمنظومة سمعية تربطه بأربعة حكام. وذلك ليسمع ويرى الحقيقة من جميع الجوانب. فهرم الجيزة الذي نشاهده كبيرًا بسبب قربنا منه، ربما يراه صغيرًا الناظر إليه من فندق "المينا هاوس" البعيد. وهذه هي سنة الحياة، إذ نحن بحاجة إلى أن نرى الأمور من جميع الجوانب.
نتعلم من المونديال كذلك، آلية تنظيم الحوار، فالحكم لا يحاور جميع اللاعبين، بل قائد الفريق فقط للحد من فوضى الاحتجاج الجماعي. وللحكم أن ينهي النقاش متى ما تجاوز المتحدث حدود الاحترام. ولذلك في التعاقدات التجارية يحدد مسؤول التواصل من الطرفين منعًا لفوضى الطلبات والمعلومات.
المفارقة أن لعبة كرة القدم قائمة على إشارات سمعية، يسمع من خلالها اللاعب تعليمات مدربه، ونداءات زميله، وتحذيرات الحارس للمدافعين، وصيحات الجماهير التي ترفع وتيرة الحماسة وتربك التركيز. وهنا تأتي "مهارة عزل الصوت" التي يتدرب عليها الحكام، وهو ما يحتاج إليه كل متخذ قرار. وقرأت في دراسة للباحثين نيفيل وبالمر عام 2002، أن الحكام الذين عُرِضَ عليهم لقطات تحكيمية متطابقة، احتسب الحكام الذين استمعوا لهتافات الجماهير مخالفات أقل ضد أصحاب الأرض بنسبة 15 في المائة (أي انحازوا للجماهير)، مقارنة بمن شاهدوا اللقطات من دون صوت! وتبين أيضًا في دراسة أخرى أن أكثر من نصف المباريات يفوز فيها اللاعبون على أرضهم، ربما بسبب رهبة الصوت وضجيجه.
للحكم أذن أخرى، حيث يهمس بأذنه مسؤول الفيديو بكلمتين لكل موقف، حيث اتضح أن الدماغ البشري لا يستوعب عبارات طويلة تحت وطأة الضغوط. مثل "انتظر قليلاً" أو "واصل اللعب" أو "يجري التحقق" أو "لا توجد ضربة جزاء" أو "لمسة يد محتملة" وغيرها، يفهم الحكم منها ماذا يتعين عليه فعله بسرعة.
كل يوم تثبت لنا قرارات وممارسات كرة القدم، تزايد الحاجة إلى جودة ما نسمع قبل اتخاذ القرار. فالفريق الذي لا يأخذ بنصيحة مدربه المخضرم يخسر، والحكم الذي يتجاهل كل الدلائل الدامغة سيتخذ قرارات تنال من مصداقيته. وهكذا هي حوارات البشر وقراراتهم اليومية. فجودة ما نُصغي إليه كثيرًا ما تحدد جودة ما ننتهي إليه.
