د. محمد النغيمش يكتب لـ«الرجل» : الإنصات في "نظرية الاختيار "
روعة الإنصات تكمن في أنه يوقف لدينا عادة التسرع في الحكم على الآخرين. فهو يمنحنا فرصة تأمل دوافع المتحدث حينما يصرخ أو ينسحب أو يلوذ بالصمت أو يبالغ في الدفاع عن رأيه، فهو لا يفعل ذلك غالبًا عبثًا لأن تلك السلوكات تعكس محاولاته للتشبث بحاجة داخلية كامنة. من هنا بزغت "نظرية الاختيار" للطبيب النفسي الأمريكي "وليام غلاسر" الذي أسس ما يعرف بالعلاج بالواقع.
وقد قادته خبرته العلاجية منذ الستينيات إلى إطار عملي لتفسير السلوك يختلف عن المدارس النفسية الأخرى التي تنقب في ماضي الإنسان أو طفولته بدلاً من اختياراته، إذ يرى غلاسر أن المرء لا يتحرك بلا غاية، بل يحاول إشباع واحدة أو أكثر من الحاجات الأساسية لديه مثل: البقاء، والحب والانتماء، والقوة أو الإنجاز، والحرية، والمرح. فالمدير الذي يرفع صوته قد يبحث عن شعور بالقوة أو السيطرة. والموظف الذي يتأخر باستمرار عن العمل، قد يهرب من ضغطٍ ما، أو يحتج بصمت، أو يفتش عن مساحة حرية. والابن الذي يعاند ربما يريد أن يشعر بأن له رأيا يُقدّر ويُسمع.
ولذلك جاء الإنصات في مقدمة "معمرات العلاقة"، ومنها الدعم، والتشجيع، والقبول، والثقة، والاحترام، والتفاوض عند الاختلاف. وما أروع مجالس من يتحلى بهذه الصفات. فحينما يمارس الإنسان هذه السلوكات طوال علاقته الأسرية والزوجية والمهنية فإن وتيرة الصراع معه تقل بشكل مذهل. هو في جميع الأحوال لن يمكنه تغيير الآخرين غير أن هذه الممارسات قد تمكنه من تحسين العلاقة. ولذلك، فإن من يجلس بين ثلة من أصدقائه أو أفراد عائلته، وقد كفّ لسانه عن النقد واللوم والشكوى، وملأ حضوره بالتشجيع والدعم والقبول، سرعان ما تألفه النفوس وتطمئن إليه المجالس، لأن وجوده يغدو مريحًا وآمنًا للجميع.
وفي المقابل يحذر غلاسر من "مدمرات العلاقة" التي تتسلل إلى بيوتنا ومكاتبنا ومجالسنا، حتى صارت زادًا للمجالس: وهي النقد المستمر، واللوم، والشكوى، والإلحاح، والتهديد، والتلويح بالعقاب، بل المكافأة حين تتحول من تقدير صادق إلى وسيلة للسيطرة. فهذه الأساليب قد تحقق استجابة أو "طاعة" مؤقتة، لكنها غالبًا ما تترك وراءها علاقة متوترة، ونفوساً متوجسة.
وعمود الخيمة في هذه النظرية أن الإنسان لا يملك التحكم الحقيقي إلا في نفسه. فهو قد لا يستطيع تغيير الزوج أو الابن أو الموظف بالقوة، لكنه يستطيع تغيير طريقته في التفكير والفعل والاستجابة. ومن هنا تبدأ المسؤولية: أن أسأل نفسي قبل لوم الآخرين: ما السلوك الذي أختاره الآن؟ وهل يقربني من العلاقة التي أريدها أم يبعدني عنها؟
قد يظن البعض أن هذا الكلام مثالي، لكنه في جوهره عملي جدا. فقد سطر غلاسر هذه الفكرة في كتابه Choice Theory، مبينًا أن بعض ردود أفعالنا ليست قدرًا ثابتًا، بل اختيارات يمكن تهذيبها. وهنا يصبح الإنصات أكثر من فضيلة اجتماعية، يصبح تدريبًا يوميًا على فهم الإنسان قبل إطلاق أحكام مسبقة عليه.
