د. محمد النغيمش يكتب لـ«الرجل» : ما لا نتعلمه في المدارس
سمعتُ البروفيسور "باتريك وينستون" من جامعة MIT العريقة يقول إنه بحسب القانون العسكري، يجب على الضباط الأمريكيين عدم إرسال أي جندي إلى ميادين القتال من دون تجهيزه بالسلاح اللازم. وعليه ينبغي أن يكون لطلابنا قانون مماثل لحمايتهم، بحيث لا يخرجون من الجامعات إلى ميادين الحياة من دون "التسلح" بمهارات التواصل، وذلك لأن نجاح المرء مرهون بشكل كبير بقدرته على التحدث، والكتابة، وجودة أفكاره، وبهذا الترتيب تحديدًا، وفق كلامه.
فهو يرى أن المقدرة على "التحدث" تأتي في المرتبة الأولى. بعدها مهارة "الكتابة" وهي مسألة مهمة في نقل الأفكار وتدوين مساهماتنا وتواصلنا في بيئات العمل. ذلك أن الكتابة ليس المقصود منها اللجوء إلى منصة ذكاء اصطناعي لتكتب للفرد خواطره وأفكاره بل هي المنهجية التي تقود الفكر إلى تحرير ما يدور في ذهنه، وتمنحه المقدرة على ترتيب الأفكار، ووزن المفردات والمفاضلة بين ما يصلح وما لا يصلح نشره. ولذلك يتحلى عدد كبير من الكتاب بقدرة فائقة على ترتيب الأفكار. بعد التحدث والكتابة تأتي جودة الأفكار.
شخصيًا أختلف مع البروفيسور، فلكي يصبح المرء متحدثًا لا بد أن يتعلم جيدًا حب القراءة وفنون الإنصات. ذلك أن القراءة وسيلة التعلم المستمر، وهي المعين الذي يزودنا بالأفكار والرؤى والتجارب والمعلومات المهمة وغيرها. وتمنحنا القراءة إمكانية التعمق في النص وفي تجارب أشخاص لم نعايشهم عبر قراءة تراجمهم وسيرهم ونجاحاتهم وإخفاقاتهم. والإنصات كذلك، فكثير مما نسمعه خصوصًا العثرات وتجارب الفشل التي لا يبوح بها البعض، نجدها في ثنايا كلامهم وهمسهم. إذن للأذن دورٌ مهمٌ جداً ينبغي تطويره.
ولهذا أفردت مساحات واسعة لتطوير هذه المهارة في سلسلة كتبي بعنوان "الإنصات المهارة المنسية" فقد ثبت لي ولمئات الباحثين أنها مهارة يمكن قياسها علميًا، وتنميتها بالتدريب. ورغم ذلك لم يذكرها البروفيسور.
وقد أشرت في كتابي "أنصت يُحبك الناس" إلى دراسة مهمة أظهرت أن الإنسان يقضي جل وقت اليقظة في الاستماع (40٪) والتحدث (35٪)، بعدها تأتي القراءة (16٪) والكتابة (9٪). هذه مفارقة أخرى، فالأساس أن يقضي الإنسان وقتا أطول في القراءة ليُكَوِّن لديه مخزون أكبر يمكن أن يتحدث به. ورغم أننا "نستمع" إلا أننا لا "ننصت" بكل جوارحنا بالضرورة. فشتان بين الاستماع الذي قد يخالطه ملهيات وبين الإنصات العميق. والإنصات أعلى مرتبة من الاستماع.
في مدارسنا، نحرص على تعليم أبنائنا الكتابة، مع شيء يسير من القراءة، وننسى أنه لولا الإنصات لما تعلم أحد الكتابة والقراءة. فكل معلومة -في بواكير حياتنا- وصلتنا عبر بوابة الأذن: أرهفنا السمع لكيفية كتابة الحرف ونطقه. ولذلك آن الأوان أن نمنح الإنصات مكانة مستحقة في مناهجنا وليس هامشًا وعظيًا عابرًا. وقد قال ابن المقفع: "تعلَّم حسن الاستماع كما تتعلَّم حسن الكلام".
خلاصة الموضوع، أن التحدث، والكتابة، وجودة الأفكار، أمور مطلوبة ومهمة، لكن الوصول إليها يتطلب عمقًا في القراءة وآذانا صاغية، وكل ذلك يمكن تعلمه في المدارس، لكننا لم نصل بعد إلى المستوى المطلوب في الإنصات والقراءة والكتابة، التي منها تنبثق جودة الأفكار.
