راكان طرابزوني يكتب لـ«الرجل» : هندسة السياق
في عالم يتغير بسرعة غير مسبوقة، لم تعد القيادة تُقاس بعدد الاجتماعات التي يحضرها القائد، ولا بعدد القرارات التي يعتمدها، ولا بحجم الفريق الذي يديره. اليوم، القيمة الحقيقية للقائد تُقاس بقدرته على تصميم أنظمة تعمل بكفاءة حتى في غيابه. إنه التحول الأعمق في مفهوم القيادة منذ عقود، من "إدارة الأشخاص" إلى "هندسة السياق".
القائد الذي يفهم هذا التحول لا يسعى لأن يكون متوغلاً في كل التفاصيل، بل يسعى لبناء منظومة قادرة على أن تتحرك قدما في كل الظروف، ولا تعتمد عليه شخصيًا. فتصبح منظومة تتحرك بإيقاع واضح، وتتخذ قراراتها بثقة، وتتعلم من أخطائها دون الحاجة إلى تدخل مستمر.
لا يعني هذا أن المتابعة، والتوجيه، وحل المشكلات، وإطفاء الحرائق، أمور غير مهمة، بل هي مهمة جدًا، ولكنها ليست كافية. فالمؤسسات الحديثة، الحكومية والخاصة على حد سواء، أصبحت أكثر تعقيدًا، وأسرع إيقاعًا، وأكثر اعتمادًا على المعلومة التي تنتج معرفة، ولذلك فهي أكثر حاجة اليوم لأنظمة تعمل ضمن سياقها.
ولذلك فمهندس الأنظمة يفكر بطريقة مختلفة تمامًا، فهو لا يسأل: "ماذا أفعل؟ بل يسأل: ما النظام الذي يجب أن أبنيه حتى لا أحتاج لفعل هذا مجددا؟" وهو يتجنب التركيز على إدارة الفريق فحسب، ويتجه إلى الآليات التي تجعل أعضاء الفريق يعملون بانسجام، فتصميم السياق هو الأهم، وهو الذي سيجعل التفاصيل تعمل ذاتيًا.
هذا التحول ليس رفاهية، بل ضرورة في الوقت الراهن، لأن الاعتماد على الأنظمة سيضمن الاستمرار والنمو، بخلاف المؤسسات التي تعتمد على الأشخاص، فهي حتما ستتضرر، إن لم تسقط عند فقدان هؤلاء الأشخاص.
وهناك العديد من الأنظمة المعتمدة التي أثبتت نجاحها في كثير من المؤسسات والقطاعات المختلفة. وسأشارك هنا الأربعة التي أعتقد أنها الرئيسة:
نظام اتخاذ القرار: والمقصود آلية اتخاذ القرار بطريقة فاعلة وسريعة ومعتمدة على المعلومات الصحيحة، لضمان اتخاذ القرار الصحيح بكفاءة ودون تأخير. ومنها تحديد مسؤولية اتخاذ القرار وصلاحيات الفريق والمعطيات التي يجب الاعتماد عليها لمساعدة متخذي القرار.
نظام المعرفة: يجب أن تبنى المؤسسة على نظام معرفي دقيق يحفظ كل البيانات وطرق العمل والتجارب والخبرات السابقة، فلا يعتمد على موظف بعينه، فإن استقال أو انتقل إلى مكان آخر، توقف العمل وتأثرت الإنتاجية. إن وجود منصة معرفية تحفظ كل الملفات وتوثق الخبرات والتجارب هو ما يصنع الذاكرة المؤسسية التي تحمي المنظومة.
نظام الإيقاع المؤسسي: وهو تأسيس إيقاع عملي وفعال لضمان الإنتاجية وسرعة اتخاذ القرارات مع ضمان الكفاءة والفاعلية. فكل منظومة تحتاج لاجتماعات وتقارير ودورات تخطيط، لكن من دون إيقاع واضح وأولويات محددة، يتحول كل ذلك إلى ضوضاء تستهلك الوقت بدل أن توجهه.
نظام المساءلة والالتزام: وللتوضيح فهي ليست مسألة رقابية شرطية، ولكنها من صميم ضمان التناغم بين الإنتاجية والمسؤولية، وتفعيل الحوكمة. فهي تبني بيئة عمل صحية وآمنة وقائمة على الوضوح والشفافية.
القائد الذي يجعل من نفسه محورًا لكل قرار سيصل سريعًا إلى سقف تأثيره، وسيصبح، دون قصد، أحد معوقات النمو، فضلاً عن فقدان حس المسؤولية والإبداع عند الفريق، فهم يعلمون أنه لا مجال لحرية العمل والإبداع، فيصبحون تابعين منفذين فقط.
وفي المقابل، فوجود هذه الأنظمة من شأنه أن يقلل التوتر داخل المؤسسة، ويرفع جودة القرارات، ويخلق وضوحًا يحرّر قدرات الفريق، ويحول مكان العمل من منفذ تابع إلى مبدع ومصمم خلّاق.
وفي النهاية، اسأل نفسك، "ما النظام الذي يجب أن أبنيه حتى لا أحتاج لتكرار هذه الخطوات مجددا؟" فهذه الجملة وحدها كفيلة بتغيير طريقة قيادتك.
"النظام السيئ ينتصر على أفضل الأشخاص في كل مرة." – ويليام إدواردز ديمنغ
