راكان طرابزوني يكتب لـ«الرجل» : الإيقاع الداخلي
لا يمكن لأي بيئة عمل أن تكون صحية أو منتجة ما لم تمتلك طاقة داخلية إيجابية تحفزها. والقائد الناجح هو الذي يعرف كيف يخلق تلك الطاقة وكيف يديرها للمحافظة على إيقاع صحي داخل المنظومة، مهما تغيرت الظروف أو تعقدت التحديات. فلم يعد دوره قائماً على السيطرة أو المتابعة الدقيقة، بل على القدرة على خلق حيوية داخلية تدفع الجميع في الاتجاه ذاته. القائد الحقيقي اليوم هو مهندس الطاقة التي تحرك مكان العمل.
الطاقة التنظيمية هي مزيج من القدرة على الفعل وجودة الإيقاع ووضوح الاتجاه. وتظهر في صفاء التفكير، وفي الروح التي تسري بين أعضاء الفريق، والثقة التي تربطهم، ونجدها أيضاً في انسيابية العمل، والشعور بأن هناك معنى أكبر يقود الجهد. كل منظومة عمل تملك هذه الطاقات بدرجات متفاوتة، لكن القائد الناجح هو من يعرف كيف يرفعها ويحميها ويمنع تسربها قبل أي شيء آخر.
رفع الطاقة يبدأ من الإيقاع؛ فهو نبض المؤسسة، وهو ما يحدد سرعة القرار، وتواتر الاجتماعات، ولحظات التوقف التي تعيد ضبط المسار. منظمة بلا إيقاع هي منظمة بلا طاقة. ثم يأتي الانتباه، وهو أثمن مورد إداري اليوم. ما يضعه القائد في مقدمة الأولويات ويعطيه أهمية هو ما يتحرك ويتقدم، وما يقلل من أولويته يتباطأ أو يتلاشى. يرفع القائد الطاقة عندما يوجه التركيز نحو ما يضيف قيمة، ويخلق وضوحًا جماعيًا حول ما يستحق الجهد فعلًا.
ثم يأتي المعنى، وهو الوقود العاطفي لأي فريق. عندما يعرف الناس لماذا يفعلون ما يفعلون، وما هي القيمة الكبرى لكل هذا، وعندما تُروى القصة بطريقة تربط الجهد بالاتجاه، ترتفع الطاقة تلقائيًا. يصبح الموظفون جزءا من القرار، لا مجرد منفذين، ويولد ذلك شعورًا عميقًا بالانتماء والجدوى.
لكن أخطر ما يواجه أي منظمة هو تسرب الطاقة. هذا التسرب يحدث بصمت، ويظهر في غموض الأدوار، وفي الصراعات غير المعلنة، وفي المبادرات التي تبدأ ولا تكتمل، والأولويات التي تتغير كل أسبوع، حتى في القادة الوسط الذين يستهلكون الطاقة بدل توليدها، بسبب ضعف إدارتهم. فعندما يغيب الإيقاع، يصبح العمل أثقل مما يجب.
ومن المهم الإشارة إلى أن الحفاظ على الطاقة لا يعني غياب الاستقالات. فذهاب بعض الكوادر لا يضعف الروح إذا كانت مبنية على أسس صحيحة. المنظمة التي تمتلك طاقة صحية ستبقى محافظة على روحها وصحتها، وسيجد القادمون الجدد أنفسهم جزءًا منها بسرعة. بل إن من يغادرها يحمل معه جزءًا من هذه الروح، فينقل أثرها إلى أماكن أخرى، ويظهر ذلك في حديثه عن فريقه ومديره السابقين بالحسنى.
تصميم نظام يحافظ على الطاقة يبدأ بتشخيص مصادر التسرب، لأن إيقاف النزف أهم من ضخ المزيد. ثم يأتي تحديد الإيقاع المناسب؛ فليس كل فريق يحتاج إلى السرعة نفسها أو النمط نفسه من الاجتماعات. بعد ذلك يُعاد ضبط الانتباه الجماعي بإزالة الضوضاء وتحديد ما يستحق التركيز. ثم تُبنى طقوس بسيطة تناسب المكان، وتخلق روحا مشتركة، وتمنح الفريق شعورًا بالتماسك. وأخيرا تُقاس الطاقة بشكل دوري عبر مؤشرات تكشف صحة المنظمة قبل أن تظهر الأعراض.
القائد الناجح هو من يرفع الحيوية، ويحمي الإيقاع، ويصمم نظاما يتحرك بثبات نحو هدفه. والمنظمة التي تعي أهمية الطاقة التنظيمية ستتقدم بوتيرة أفضل، وتتعلم أسرع، وتبني أثرًا يستمر لسنوات طويلة.
"الثقافة التنظيمية تلتهم الاستراتيجية على الفطور." – بيتر دراكر
