راكان طرابزوني يكتب لـ«الرجل» : فن الحكاية
في كل مرة أكتب فيها عن القيادة أعود إلى حقيقة بسيطة، وهي أن الناس لا يتذكرون ما نقوله، بل ما نرويه. فن الإلقاء والسرد القصصي كان دائما أقدم وسيلة للتأثير في كل الثقافات عبر التاريخ، من مجالس القبائل إلى منصات الأعمال الحديثة. ومع ذلك، فإن قيمة السرد لا تكمن في جماله فحسب، بل في قدرته على ترتيب الفوضى داخل رؤوسنا، وتحويل الأفكار المبعثرة إلى معنى يمكن للآخرين استيعابه.
ومن هنا يبدأ الحديث عن البساطة. فالحكاية الجيدة ليست مجرد قصة، بل هي فكرة واضحة تروى بطريقة تجعلها سهلة الحفظ وسهلة النقل. وهذا ما يقودنا مباشرة إلى قانون ستيفن بارتلت الثامن عشر في كتابه (33 قانونًا للعمل والحياة) الذي ينص على التالي: "حارب من أجل أول خمس ثوانٍ". بارتلت يذكرنا بأن التأثير لا يبدأ عند منتصف الحديث، بل عند لحظته الأولى. في أول خمس ثوان فقط، يقرر المستمع، بوعي أو دون وعي، هل سيمنحك انتباهه أم سيصرفه عنك. هذه الثواني ليست تفصيلًا، بل هي اللحظات الحاسمة التي ستحدد مصير الرسالة. فالقائد الذي لا يربح هذه اللحظة الأولى، يخسر فرصة التأثير مهما كانت فكرته عظيمة. أما القائد الذي يعرف كيف يقتنص الانتباه سريعًا، فهو الذي يفتح الباب لبقية القصة.
افتتح الفيلسوف الفرنسي بليز باسكال إحدى رسائله قائلًا: "لم يكن لدي الوقت الكافي لكتابة رسالة قصيرة، فكتبت رسالة طويلة" هذه الجملة تختصر معضلة استراتيجيات التواصل الحديثة، وهي أن الإطالة في السرد سهلة، ولكن الاختصار والإيجاز مع الحفاظ على السردية هو الصعب. فأن تكتب كثيرًا يعني أنك تفرغ ما في ذهنك، أما أن تكتب بإيجاز، فهذا يعني أنك فكرت، ونقحت، وحذفت، وصقلت، حتى وصلت إلى جوهر الفكرة. وهنا يتقاطع قانون بارتلت مع حكمة باسكال، إذا أردت أن تربح أول خمس ثوان، فيجب أن تمتلك رسالة قصيرة، وواضحة، ومركزة.
اقرأ أيضًا: راكان طرابزوني يكتب لـ«الرجل» : الوظيفة الجديدة.. فرصة أم فخ؟
وعندما نفهم قيمة الثواني الأولى، نفهم لماذا أصبح اختبار الـ Elevator Pitch معيارًا عالميًا لقياس وضوح الرؤية. فثلاثون ثانية فقط لتعرض مشروعك أو فكرتك هي التحدي. ليس لأن الوقت ضيق، بل لأن الانتباه وكسب حيز في عقول مشغولة دائمًا أضيق. ومبدأ الـ Elevator Pitch هو الامتحان العملي لقانون 18: هل تستطيع أن تربح أول خمس ثوان؟ هل تستطيع أن تقول جملة تجعل المستمع يريد أن يسمع الجملة التالية؟ هل تستطيع أن تختصر مشروعًا كاملًا في قصة قصيرة، دون أن تفقد روحها؟ القائد الذي ينجح في ذلك لا يملك فقط مهارة التواصل، بل يملك وضوحًا داخليًا. فمن لا يستطيع شرح فكرته باختصار ووضوح وبساطة، فهو لم يفهمها بعد.
عندما ننظر إلى الحكاية، وقانون البساطة، ومقولة باسكال، واختبار المصعد، نكتشف أنها ليست أفكارًا متفرقة، بل أجزاء من معادلة واحدة:
- الحكاية تمنح الفكرة روحًا.
- الاختصار يمنحها وضوحًا.
- الخمس ثوان الأولى تمنحها فرصة للحياة.
- والـ Elevator Pitch يمنحها القدرة على الانتشار.
وفي زمن تتسارع فيه الرسائل وتتنافس فيه الأصوات، يصبح الشخص الذي يعرف كيف يروي قصة قصيرة وواضحة هو القائد الذي يتبعه الآخرون. ليس لأنه يتحدث كثيرًا، بل لأنه يقول ما يهم، ويركز على المغزى دون تشتت، ولأنه يمتلك الشجاعة ليكتب الرسالة القصيرة، تلك التي تحتاج إلى وقت طويل.
"خير الكلام ما قل ودل" حكمة عربية قديمة.
