باولو كويلو يكتب لـ «الرجل» : قصص عن الغفران
الغفران طريق ذو اتجاهين: فكلما غفرنا لشخص ما، نكون في الوقت نفسه قد غفرنا لأنفسنا. وحين نكون متسامحين مع الآخرين، يصبح من الأسهل علينا تقبّل أخطائنا نحن. ومنذ تلك اللحظة، وقد تحرّرنا من الشعور بالذنب والمرارة، نستطيع أن نتخذ موقفًا أفضل تجاه الحياة.
سأل بطرس المسيح:
«يا معلّم، هل يجب أن أغفر لقريبي سبع مرات؟».
فأجابه المسيح:
«ليس سبع مرات فحسب، بل سبعين مرة».
وبما أنني لست قديسًا، كثيرًا ما أجد صعوبة في الغفران؛ فمن العسير تقبّل بعض أنواع الظلم. لكنني أستطيع أن أستعين بقوة إرادتي وأضبط نفسي، ثم أكتشف لاحقًا أنني في كل مرة أتصرف بهذه الطريقة أخرج رابحًا.
فيما يلي بعض القصص حول هذا الموضوع.
ثمن الإهانات
زار شابٌ أحد رهبان دير «سِكيتا»، وكان يرغب في سلوك الطريق الروحي.
قال الشاب:
«أحاول أن أتصرف بأفضل ما أستطيع، لكنني أجد صعوبة في أن أغفر لأعدائي».
فأجابه الراهب:
«لمدة عام كامل، ادفع مبلغًا من المال لكل من يسيء إليك».
سأله الشاب:
«وهل عليّ أن أغفر له أيضًا؟».
قال الراهب:
«لا، ادفع المال فحسب لكل من يسيء إليك».
على مدى اثني عشر شهرًا، كان الشاب يدفع المال كلما تعرّض للإساءة. وبعد انقضاء العام، عاد إلى الراهب ليسأله عن الخطوة التالية.
قال الراهب:
«اذهب إلى المدينة واشترِ لي بعض الطعام».
وما إن غادر الشاب، حتى تنكّر الراهب في هيئة متسوّل، وسلك طريقًا مختصرًا يعرفه إلى السوق. وعندما اقترب الشاب، بدأ الراهب يشتمه ويهينه.
ضحك الشاب بصوت عالٍ وقال:
«لا فائدة من ذلك، لن تحصل مني على شيء! لمدة عام كامل كنت أدفع المال لكل من يسيء إليّ، أما الآن فيمكنني أن أُهان مجانًا، من دون أن أدفع قرشًا واحدًا!».
عندها خلع الراهب تنكّره وقال:
«أنت الآن مستعد للسير في الطريق الروحي، لأنك أصبحت قادرًا على الضحك من مشكلاتك».
الانتصار على الإهانات
سأل أحد التلاميذ:
«من هو الأفضل في استخدام السيف؟»
قال له معلّم من مذهب الزِّن:
«اذهب إلى الحقل المجاور للمعبد. هناك صخرة. قم بإهانتها».
قال التلميذ:
«ولِمَ أفعل ذلك؟ الصخرة لن تردّ عليّ أبدًا!».
قال المعلم:
«إذن اضربها بسيفك».
قال التلميذ:
«لا أستطيع ذلك أيضًا. سيفي سيتحطم، وإن ضربتها بيدي فسأوْذي أصابعي بلا جدوى. لكن سؤالي كان مختلفًا: من هو الأفضل في استخدام السيف؟».
أجابه المعلم:
«الأفضل هو من يشبه الصخرة. من دون أن يشهر سيفه، ومن دون أن يحتاج إلى غفران المعتدي، ينجح في أن يبرهن أنه لا أحد يستطيع هزيمته».
اقرأ أيضًا: باولو كويلو يكتب لـ «الرجل» : شخصيتي التي لا تُنسى
احتمال الإهانات
كان تاجر يهودي ثري يسافر في مقصورة القطار نفسها مع رجل يرتدي ملابس بالية. وفي لحظة ما حاول رفيقه في السفر أن يفتح حديثًا معه، لكن التاجر أشاح بوجهه وفضّل التحديق في المناظر الطبيعية: فذلك الرجل الفقير، في نظره، لا يملك ما يستحق الاهتمام.
وعند وصولهم، لاحظ حشدًا هائلًا على رصيف المحطة، ينتظر استقبال أحد أحكم وأقدس الحاخامات في أوروبا كلها. وحين نزل من القطار، أدرك أن الشخص الذي كان الجميع بانتظاره هو نفسه الرجل الذي شاركه المقصورة.
شعر بالخجل من سلوكه، وندم على أنه لم يستغل تلك الفرصة الذهبية للحديث مع رجل بهذه القيمة، فتقدّم طالبًا الصفح عمّا بدر منه.
فأجابه الحاخام العجوز:
«ليست لي صلاحية أن أفعل ذلك. لكي يُغفَر لك، عليك أن تعتذر إلى جميع فقراء العالم الذين أساء إليهم كبرياؤك وتصرفك».
