د. محمد النغيمش يكتب لـ«الرجل» : ضحايا التفكير الجماعي
تلقت الولايات المتحدة رسائل استخباراتية تُحذر من هجوم ياباني محتمل، عام 1941، لكنها لم تعرها اهتمامًا يذكر لاعتقاد قادة الدفاع أن "العدو لن يجرؤ" على ذلك. لكنه شن هجومًا كاسحًا على الأسطول الأمريكي في ميناء "بيرل هاربر" أدى إلى تدمير 20 سفينة حربية و300 طائرة أمريكية ومقتل 2400 شخص تقريبًا، في مقابل خسائر يابانية محدودة، إذ كان هجومًا انتحاريًّا غير مسبوق.
وبعده بعقدين، اجتمع ثلة من المستشارين حول الرئيس الأمريكي كيندي للتخطيط لغزو خليج الخنازير في كوبا. ورغم هشاشة الخطة ومخاطرها الجلية، إلا أن المجموعة مضت في تنفيذها لأن الجميع كان "متأكدًا" من النجاح، لكن العملية انتهت بخيبة أمل عسكرية واستراتيجية. وتشير هذه الحوادث إلى أن التفكير الجمعي يئد أصواتًا كان يمكنها تغيير مسار القرارات، هم "ضحايا" هذا النوع من التفكير.
ولم تتوقف سلسلة الأخطاء، ففي ستينيات القرن الماضي كانت لجان في البيت الأبيض تُؤجِّجُ نيرانَ حرب فيتنام رغم ورود تقارير ميدانية تحذر من استحالة النصر. غير أن صوت التحذير الذي يتناهى إلى أسماع الناس صار يخفت تدريجيًا كلما ارتفع صوت الإجماع حتى غرق الطرفان في حرب استنزاف.
ثم جاء عام 1986، ليكشف النقاب عن الوجه الأكثر مأساوية للتفكير الجماعي. وذلك عندما قررت ناسا إطلاق مكوك تشالنجر رغم اعتراض مهندسيها الذين نبهوا إلى خلل خطير في حلقات العزل. لكن متخذي القرار آثروا الاتفاق الداخلي على الصوت الداعي إلى "التأجيل". وبعد أن ارتفع المكوك لثوانٍ معدودة، انفجر انفجارًا مدويًا شاهده الملايين.
كل هذه الحوادث المختلفة في الزمان والمكان، تشترك في خيط واحد، وهي أنها قد سبقتها قرارات من مجموعات "متماسكة" ولديها خبرة واسعة ومعلومات لكنها كانت تفتقر إلى أهم أدوات القيادة الرشيدة وهي حرية التفكير النقدي. ولذلك عندما تُؤثر المجموعة الانسجام أو لا تلتفت إلى صوت تعدّه "نشازًا" أو يمثل أقلية، هنا يقع الفأس في الرأس، وتغيب الحكمة بتجاهل آراء وجيهة.
اقرأ أيضًا: د. محمد النغيمش يكتب لـ«الرجل» : مبادرة "مقاهي الدردشة"
العالم "إرفينغ جانِس" شغلته هذه الحوادث فعكف على دراستها عام 1982 حينما أصدر أبحاثًا شرحت كيف تحولت قرارات فرق عمل إلى كوارث عالمية بسبب ظاهرة نفسية تخيم على من يفكرون معا فيؤثرون سلبًا بعضهم على بعض تارة بالانحياز، وتارة بتجاهل الاعتراض أو قمعه، وتارة بتغييب البدائل. يسمى ذلك التفكير الجماعي Groupthink وهو عنوان كتابه أيضًا.
"عقدة الإجماع" قد تعمي البصيرة أحيانًا عن رؤية السيناريوهات البديلة. ويتجلى ذلك بوضوح في اجتماعات مجالس الإدارة، حين تميل الكفة تلقائيًّا نحو قرار يوافق الأغلبية، بينما يلوذ أحد الأعضاء بالصمت احترامًا للمجموعة أو انسجامًا مع روح الجماعة، رغم امتلاكه رأيًا تجاريًا أو قانونيًا وجيهًا. وفي غياب صوته، قد يفوّت المجلس فرصة ثمينة كان يمكن أن تغير وجهة القرار لو أُصغي إليه.
في إحدى لجان مجلس الإدارة أوقفتُ النقاش حين لاحت في عيني أحد المدعوين من الإدارة، فكرة مهمة. وما إن طرحها حتى غيرت بالفعل وجهات نظر الجميع. لذلك أرى أن على رئيس الاجتماع أن يلتقط ما يختلج في نفوس المشاركين، وأن يوجه الحوار ليمنح كل رأي مساحة يستحقها. فربما يسهم رأي واحد في تغيير دفة النقاش أو بلورة آراء أخرى أكثر نضجًا.
