وسام كيروز يكتب لـ«الرجل»: الرفاهية الجديدة .. أن تكون غير مرئي
ينتاب العالم فجأة حديث في ضرورة الاستثمار وجني الأموال بسرعة، كأنما المستقبل لن يحمل القدر نفسه من الفرص، أو من المساحات للبناء، كأنما الأحلام توشك على النضوب. الحياة بأسرها ستصبح غريبة قريبًا، ولا ندري شيئًا عما سيكون العادي، في الغد الذي لن يكون فيه شيء عادي.
الذهب أم الفضة أم الكريبتو.. الناس تشعر كأنها أمام فرصة أخيرة للاكتناز. الأرض تفرغ! شعور غريب أو كئيب يلف أهل الأرض.. لا نعرف ما سنملك في المستقبل، لكننا نعرف جيدًا ما سينقصنا!
وفي تلك المنعطفات القاسية التي نشهدها بعيوننا في مسار التاريخ، لا بُد أن تتغير أيضًا مفاهيمنا للرفاهية، ولمصدر القيمة في الحياة قبل الثروة!
الرفاهية الجديدة هي مثلًا أن تكون غير منظور! وسائل التواصل الاجتماعي جعلت المغمورين مشاهير، والمشاهير متصنعين، والمتصنعين مكشوفين.. في رواية أولى، منح التطور الضعفاء قدرة على اختراق جدار الهامشية، وفي رواية ثانية، لم تعد الشهرة إنجازًا! الجميع مرئي والجميع يتكلم.
الرفاهية الجديدة هي أن تختفي دون أن تنسحب، لا من الاهتمام بشؤون البشر ولا من البحث عن حلول لمعضلات الوجود، بل الانسحاب من التمدد إلى العمق. المتابعون كثر لكن الأصدقاء قلة، والفكرة الأقوى ليست تلك التي تنتشر، بل التي تغيّر، وتبقى في سجل الأفكار.
الرفاهية الجديدة أن تكون غير متوفر. فليكن طريق طويل بينك وبين التفاهة، وليكن بحر بينك وبين اللامعنى. الرفاهية هي ألا تصل إليك التنبيهات التي لم تطلبها، ولا الرسائل التي لا تهديك إلا القلق.
الرفاهية الجديدة باتت أن تكون غير مرئي إذن.. أن تكون الكنز المفقود لمن استطاع إليك سبيلًا، وأن تكون القيمة التي يجب أن تُدرك.
رفاهية ثانية تفرض نفسها: رفاهية الانتباه. في عالم لا تختار فيه أفكارك، ويحاصرك المحتوى من كل جهة، في عالم تقترع الخوارزميات على انتباهك فتفتته إلى لحيظات، هنيئًا لمن يملك رفاهية الانتباه. الانتباه للهواء الذي نتنفسه، للوقت الذي يمر، للناس من حولنا، ولوقع الحياة المدوي لمن يصغي!
اقرأ أيضًا: وسام كيروز يكتب لـ«الرجل»: هل ماتت الموسيقى؟
والرفاهية الجديدة هي أيضًا أن يملك الفرد السيادة على مشاعره. أن يحافظ على الهدوء في نظام مُعَد لاختلاق الالتباس والغضب وردات الفعل، ألا يكون حبنا وقودًا في مشاريع الغير، أو معززًا لأموالهم، ولا يكون كرهنا قَطعًا في بناء رسمه آخرون. إنها رفاهية ألا نصبح ما نكره، بل أن نبقى قادرين أن نكون ما نحب!
رفاهية أخرى تفرض نفسها في محفظة النجاح الجديد: رفاهية الوقت! أين نجد الوقت للوقت!؟ الوقت لنجلس ونتكلم، لنتكلم وننظر في عيون من نحب، وربما نمسك بيده، فيمر بيننا الكون.
الأغنياء الذين تسمعون عنهم لا يملكون الوقت، والأغنياء الحقيقيون، لا ينقصهم الوقت.
