التشابه أم الاختلاف؟ العلم يحسم معادلة العلاقات المستقرة
كشفت دراسة منهجية حديثة أن التشابه في القيم والسمات الشخصية هو الركيزة الأعمق للاستقرار العاطفي في العلاقات طويلة الأمد، بخلاف ما تروّج له الثقافة الشعبية من أن الأضداد تتجاذب، والنتائج لا تلغي دور الاختلاف كليًا، لكنها ترسم حدودًا واضحة لما يستفيد منه الشريكان وما يهدد علاقتهما.
ماذا تقول الأرقام عن التشابه في العلاقات؟
رصدت الدراسة التي أجرتها الباحثة الأمريكية المتخصصة في علم النفس هورويتز وزملاؤها، المنشورة في Psychology Today عام 2023، وشملت 199 دراسة محكّمة، أن الشركاء في العلاقات المستقرة يتشاركون ما يصل إلى 89% من صفاتهم الجوهرية وقيمهم، ويُعد هذا الرقم لافتًا لأنه يتعارض مع قناعة شائعة رسّختها الأغاني والأفلام والمعتقدات الثقافية السائدة حول جاذبية الأضداد.
أبرز السمات المشتركة بين الشركاء كانت المستوى التعليمي وأنماط تناول المواد المختلف، ويمتد هذا التشابه ليشمل الدين والتوجهات السياسية والعادات اليومية والأهداف الحياتية، إذ تُظهر الدراسات التي تناولت ملايين الأزواج تطابقًا واسعًا في هذه المحاور.
ويتجلى منطق هذه النتيجة حين يُستحضر واقع الانقسام السياسي اليوم؛ فالشراكة بين شخص ذي توجه تقدمي وآخر محافظ تنطوي على احتكاكات عميقة قد تُنهك العلاقة بمرور الوقت، ما يجعل التوافق في القيم الجوهرية شرطًا عمليًا لا مجرد تفضيل شخصي.
اختلاف المهارات وتكامل الأدوار.. متى يخدم الشريكين؟
لا يعني التشابه في القيم أن يتطابق الشريكان في كل شيء، إذ ثمة فرق جوهري بين القيم الجوهرية من جهة والمهارات العملية من جهة أخرى، فاختلاف المهارات وتكاملها يُضيف قيمة حقيقية للعلاقة، كأن يتولى أحد الشريكين التخطيط اللوجستي بينما يتفوق الآخر في التنفيذ والأعمال اليدوية.
يظهر هذا التكامل بوضوح في تفاصيل الحياة اليومية؛ فحين يقترح أحد الشريكين وجهة للسفر ويتولى الآخر ترتيب كل تفاصيل الرحلة مسبقًا، تتحول الفوارق بينهما إلى طاقة بنّاءة بدلًا من أن تكون مصدر توتر.
في المقابل، يميل الناس بطبعهم نحو من يشبهونهم في الشخصية، وهو ما يعرفه الباحثون "بالتماثل الاجتماعي"، فالصفات الجذابة عند اللقاء الأول كالانطلاق وحب المغامرة قد تفقد بريقها حين لا يجد الشريكان قاسمًا مشتركًا عميقًا في الطباع والقيم.
الاستثناء الذي يثبت القاعدة في استقرار العلاقات
يبرز استثناء جدير بالتأمل يُعرف "بالتكامل الشخصي"، ويتمثل في قدرة الشريكين على موازنة بعضهما على صعيد الشخصية، فالشريك الاجتماعي المنفتح قد يُكمل الشريك الخجول المنطوي، إذ يتولى الأول تنظيم الحياة الاجتماعية وتعويض ميل الثاني نحو العزلة، بشرط ألا يبلغ الفارق بينهما حدًا يولّد توترًا دائمًا.
والأكثر إثارة للاهتمام أن هذه الفوارق لا تبقى ثابتة مع مرور السنين؛ إذ يُشير المعالجون المتخصصون في العلاقات إلى أن الشركاء يؤثر كل منهم في الآخر تدريجيًا عبر العقود.
الشريك المنفتح قد يكتشف متعة الوقت الفردي في القراءة وإعادة الشحن، في حين يغدو الشريك الخجول أكثر انفتاحًا واجتراءً على المبادرة الاجتماعية، حتى ليصبح هو من يُنظّم اللقاءات ويدعو إليها، وبهذا المعنى، لا تكتفي الفوارق بالتوازن بل تُسهم في نضج كل شريك بمفرده.
ما الذي يصمد في العلاقات على المدى البعيد؟
قد تشعل اللحظات الأولى مع شخص مختلف دافع الفضول، لكن الاستقرار العاطفي الحقيقي على المدى البعيد يقوم على أرضية مشتركة راسخة، وهذا ما خلص إليه بحث هورويتز وزملائها من خلال المقارنة بين مئات الدراسات التي تناولت أنماط الاختيار الرومانسي.
ولعل أكثر التطبيقات العملية لهذه النتيجة وضوحًا ما يحدث في مواعيد التعارف السريعة، حيث يرى الباحثون أن رصد نقاط التشابه والاختلاف في الشخصية والأهداف والقيم منذ اللقاء الأول يمنح مؤشرات قيّمة حول احتمالات استمرار العلاقة.
والحاصل أن الانجذاب المبدئي قد يستلزم قدرًا من الغرابة والاختلاف، لكن ما يجعل علاقةً ما تصمد عقودًا هو التوافق العميق في القيم والغايات والطباع الجوهرية، لا ما يبدو على السطح من تناقضات مثيرة.
