هل تؤثر ضغوط العمل في مشاعر الحب بين الشريكين؟
حين تنهي يومًا شاقًا في العمل أو تتلقى فاتورة طارئة لم تتوقعها، قد يمتد أثر ذلك إلى ما هو أبعد من تعبك الجسدي، حيث أظهرت دراسة نُشرت في دورية Journal of Social and Personal Relationships أن الضغوط اليومية الخارجية تُضعف مشاعر الحب والشغف والألفة نحو الشريك، وأن ضغط العمل والعلاقات العاطفية مرتبطان بصورة أعمق مما يبدو للوهلة الأولى.
علاقة ضغط العمل بالعلاقات العاطفية
يُميّز علماء العلاقات بين التوترات التي تنشأ مباشرة بين الشريكين وتلك التي تُسمى "ضغطًا خارج العلاقة"، أي الضغوط النابعة من خارج الثنائي كالأعباء المهنية الثقيلة وازدحام الطرق والخلافات العائلية والفواتير غير المتوقعة.
ولا تنبثق هذه الضغوط من العلاقة نفسها، غير أن التوتر العاطفي الناجم عنها ينفذ إلى البيت بصورة غير مباشرة.
ورصدت مراجعة علمية صدرت عام 2009 ارتباطًا ثابتًا بين الضغوط الخارجية كمتطلبات العمل والصعوبات المالية وانخفاض الرضا العاطفي في العلاقة.
فضلًا عن ذلك، أظهرت دراسة سابقة على الأزواج أن من مروا بأحداث أشد إجهادًا باتوا أكثر انتباهًا للتغيرات اليومية في سلوكات شركائهم السلبية، دون أن يرتبط الضغط برصدهم للسلوكات الإيجابية.
على الرغم من هذه المعرفة المتراكمة حول الرضا العاطفي، أولى الباحثون اهتمامًا أقل بالمكونات الانفعالية المستقلة التي تُشكّل أساس الروابط بين الأزواج، كالحب والشغف والألفة، وهي مشاعر لا تبقى ثابتة، إذ كشفت دراسة يومية أُجريت عام 2012 أنها ترتفع وتنخفض بشكل طبيعي من يوم لآخر.
كيف صُممت الدراسة؟
أجرى الباحثان إيتشي يلماز من جامعة أوتاوا وسارة ستانتون من جامعة إدنبرة دراستهما على 100 زوج، راوحت أعمارهم بين 18 و64 عامًا بمتوسط نحو 24 عامًا، وامتدت علاقاتهم من ثلاثة أشهر حتى أكثر من 35 عامًا.
بعد جلسة مختبرية أولية، أكمل كلا الشريكين استبيانات إلكترونية موجزة كل مساء لمدة 14 يومًا متتاليًا، وأجاب كلٌّ منهما باستقلالية تامة دون مناقشة إجاباته مع الآخر.
ورصدت الاستبيانات اليومية ضغط العمل والعلاقات العاطفية عبر قائمة تضم عشرة مصادر شائعة للضغط اليومي، من بينها الأعمال المنزلية ومشكلات التنقل والمرض والخلافات مع الأصدقاء أو الزملاء. كما قيّم المشاركون مشاعر الحب والشغف والألفة على مقياس من سبع نقاط.
تأثير الضغوطات الخارجية على العلاقة العاطفية
أظهرت النماذج الإحصائية أن التقلبات اليومية كانت العامل الأساسي في تأثير الضغط.
وفي الأيام التي عانى فيها الفرد ضغطًا أعلى من معدّله المعتاد، انخفضت مشاعر الحب والشغف والألفة نحو شريكه في المساء نفسه، حتى بعد احتساب المزاج اليومي ومدة العلاقة ومستوى الترابط في اليوم السابق. كانت الارتباطات صغيرة، إذ أفضى كل ضغط إضافي فوق المعدل إلى انخفاض بما يراوح بين 0.04 و0.13 نقطة على المقياس، وإن أشار المؤلفان إلى أن التأثيرات الصغيرة يومية قد تتراكم بمرور الوقت.
وفي المقابل، لم يُسجّل من يحمل في العادة ضغطًا أعلى خلال أسبوعَي الدراسة مشاعر حب أو شغف أو ألفة أدنى مقارنةً بمن يعيش حياةً أقل إجهادًا.
ويُرجع الباحثان ذلك إلى نظرية التكيّف مع الضغط، مفترضَين أن من يعانون ضغطًا اعتياديًا ربما طوّروا آليات للتعامل معه، وإن لم يُقَس ذلك في الدراسة.
دور المزاج وتأثير الشريك في تشكيل هذه المشاعر
أثبت المزاج اليومي ارتباطًا وثيقًا بمشاعر العلاقة؛ فالمزاج السيئ ارتبط بانخفاض الشغف والألفة، في حين ارتبط المزاج الجيد بارتفاعهما.
وفي تحليلات استكشافية، رصد الباحثان تسلسلًا مؤداه أن الضغط الخارجي يُفضي إلى تراجع المزاج الإيجابي وارتفاع المزاج السلبي، ما ينعكس بدوره على مشاعر العلاقة، وهو ما يتّسق مع دراسات سابقة تناولت الرغبة الجنسية اللحظية ووجدت أن الضغط المرتفع يرتبط بانخفاضها.
وفي النماذج الأساسية، لم يكن ضغط الشريك اليومي أو المعتاد مؤثرًا مباشرًا ذا دلالة إحصائية في مشاعر الطرف الآخر.
وبيد أن التحليلات الاستكشافية كشفت عن تأثير غير مباشر، إذ ارتبط ضغط الشريك بمزاج الطرف الآخر، الذي انعكس بدوره على مشاعره نحو علاقته.
وقد أوضح يلماز أن "الضغط الخارجي الذي يمر به شريكك لا يؤثر مباشرةً في مشاعرك نحو علاقتك".
