لماذا لا تكفي المسكنات لعلاج آلام الظهر المزمنة؟
لا تقتصر آلام الظهر المزمنة على الإحساس الجسدي، بل قد تمتد إلى شبكات دماغية ترتبط بالذاكرة والوعي؛ فتؤثر في الطريقة التي يعيش بها الإنسان تجربته مع الألم.
وكشف باحثون أن نوبات الألم التي تثيرها الحركة تنشّط منطقة دماغية تتراجع عادةً استجابتها عند الشعور بالألم الحاد، وهو اكتشاف قد يفسر جانبًا من صعوبة علاج هذه الحالة بالمسكنات التقليدية.
وتسلط النتائج الضوء على اتجاهات علاجية تركز على استجابة الدماغ للألم، والعوامل النفسية والذهنية التي تجعل تأثيره مستمرًا حتى خارج لحظات الإصابة.
كيف ترتبط آلام الظهر المزمنة بالوعي؟
تؤثر آلام الظهر المزمنة في شبكة عصبية تُعرف باسم شبكة الوضع الافتراضي، وهي مجموعة من المناطق الدماغية المرتبطة بالتفكير الداخلي واسترجاع الذكريات والتأمل في التجارب الشخصية والمشاعر.
وتنشط هذه الشبكة عندما ينشغل الإنسان بأفكاره الداخلية، بينما ينخفض نشاطها عادةً خلال الألم الحاد، إذ يوجّه الدماغ انتباهه نحو مصدر الخطر الخارجي.
لكن الباحثين اكتشفوا استجابة معاكسة لدى المصابين بآلام أسفل الظهر المزمنة، إذ ارتفع نشاط الشبكة عندما تسببت الحركة في إثارة نوبة ألم.
وتشير هذه النتيجة إلى أن الدماغ قد يعالج نوبات الألم المزمن بطريقة تتداخل فيها الأحاسيس الجسدية مع الخبرات الشخصية والذاكرة، ما يجعل التجربة أكثر تعقيدًا من مجرد استقبال إشارات الألم.
وجاءت الدراسة التي نشرتها دورية British Journal of Anaesthesia في 5 أكتوبر 2026، لتكشف عن نتائج أعدها باحثون بكلية الطب في جامعة كاليفورنيا بسان دييجو.
ماذا كشفت التجارب عن استجابة الدماغ للألم؟
شارك في الدراسة 114 شخصًا يعانون آلام أسفل الظهر المزمنة، وخضعوا لاختبار رفع الساق، وهو إجراء سريري يُستخدم لإثارة الألم المرتبط بحركة الظهر.
وراقب الباحثون نشاط الدماغ باستخدام تقنية التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي المعتمدة على وسم الدم الشرياني، التي تقيس التغيرات في تدفق الدم دون الحاجة إلى حقن مادة تباين.
وللمقارنة، تعرّض المشاركون لمنبه حراري مزعج على منطقة الساق، يحاكي الإحساس الناتج عن لمس سطح ساخن لفترة وجيزة.
وأظهرت النتائج اختلافًا واضحًا بين التجربتين؛ إذ ارتفع نشاط شبكة الوضع الافتراضي خلال نوبات ألم الظهر الناتجة عن الحركة، بينما انخفض عند التعرض للمنبه الحراري، وفق الاستجابة المعتادة للألم الحاد.
ورصد الفريق ارتباط شدة الألم بزيادة الاتصال بين شبكة الوضع الافتراضي والقشرة الحسية الجسدية الأولية، المسؤولة عن معالجة الإحساس الجسدي.
كذلك ارتبطت زيادة معدل ضربات القلب خلال اختبار رفع الساق بشدة نوبة الألم، ما وفر مؤشرًا فسيولوجيًا إضافيًا على حدتها.
محدودية المسكنات التقليدية في علاج آلام الظهر المزمنة
تستهدف المسكنات التقليدية الإشارات العصبية المرتبطة بالإحساس بالألم، لكن هذه الآلية قد لا تعالج جميع العمليات الدماغية التي تصاحب الألم المستمر.
فعندما ترتبط النوبات بالذكريات السابقة والخوف من تكرارها وتوقع حدوثها، يصبح تأثيرها أوسع من الإحساس الجسدي وحده.
ويوضح فاضل زيدان، الباحث المشرف على الدراسة، أن تجربة الألم قد تتداخل مع هوية الإنسان، وتمتد إلى القلق من النوبات المقبلة والذكريات المرتبطة بصعوبة ممارسة الأنشطة اليومية.
وقد يدفع ذلك بعض المصابين إلى تجنب الحركة خوفًا من إثارة الألم، ما يضيف بُعدًا نفسيًا إلى معاناتهم.
وتساعد هذه الرؤية على فهم محدودية العلاجات التي تركز على تخفيف الأعراض وحدها، إذ قد تستمر بعض جوانب المعاناة المرتبطة بالخوف والتوقعات حتى عندما يتراجع الإحساس الجسدي.
التأمل الذهني
يدرس الباحثون أساليب تستهدف تغيير استجابة الدماغ للألم، ومن بينها التأمل الذهني، الذي يدرب الشخص على ملاحظة الأفكار والمشاعر والأحاسيس الجسدية دون إصدار أحكام فورية عليها.
ويبحث فريق زيدان في قدرة هذه الممارسة على التأثير في النشاط العصبي المرتبط بالوعي بالذات، بما قد يساعد المصابين على التعامل مع الألم دون أن يهيمن على انتباههم وحياتهم اليومية.
ويشمل المسار البحثي أيضًا مركب السيلوسيبين، الذي يدرسه العلماء لمعرفة تأثيره المحتمل في العمليات الدماغية المرتبطة بالذكريات والضغوط العاطفية والتوقعات المستقبلية.
ولا تزال هذه المقاربة ضمن الأبحاث والتجارب السريرية، ولم تثبت فاعليتها علاجًا معتمدًا لآلام الظهر المزمنة.
ويجري مختبر زيدان تجارب سريرية تستخدم تصوير الدماغ لفحص تأثير هذه الأساليب في العمليات العصبية المرتبطة بتجربة الألم، وتحديد مدى انعكاس التغيرات الدماغية على شدة المعاناة والقدرة على ممارسة الأنشطة اليومية.
