النظام الغذائي النباتي.. كيف تحصد فوائده وتتجنب سوء التغذية؟
غالبًا ما تتسم الأطعمة النباتية باعتدال مذاقها؛ فلا هي حلوة كالسكريات، ولا مالحة، بل تحتفظ كل فئة منها بنكهتها الطبيعية المميزة، سواء كانت من الفواكه أو الخضراوات أو الحبوب أو البقوليات.
ورغم أنَّها تُضِيف إلى موائدنا ألوانًا متنوّعة من الطعام، فإنّها أيضًا تندرج ضمن نظام غذائي يُنقِص الوزن ويقلل خطر الإصابة بالأمراض.
ورغم تنوّع الأطعمة النباتية وغناها بالعناصر الغذائية، فإنها لا توفر جميع العناصر الموجودة في الأغذية ذات المصدر الحيواني بالكميات نفسها. لذا، قد يواجه الرجل الذي يتبع حمية نباتية خطر نقص بعض العناصر الغذائية الأساسية، مثل الحديد وفيتامين B12. فكيف يمكن الاستفادة من مزايا النظام الغذائي النباتي وتجنّب أخطار سوء التغذية؟
اليوم العالمي للنباتيين
يعود الاحتفال باليوم العالمي للنباتيين إلى الأول من نوفمبر عام 1994 في إنجلترا، حين كانت تبحث الناشطة في مجال حقوق الحيوان والنباتية «لويز واليس» عن مكان مناسب للاحتفال بالذكرى الخمسين لتأسيس الجمعية النباتية، تأكيدًا على استمرار نشاطها، والاحتفاء بمرور 50 عامًا على دخول كلمة «نباتي» إلى اللغة الإنجليزية. ومنذ ذلك الحين، أصبح هذا اليوم مناسبة عالمية للاحتفاء بالنمط الغذائي النباتي والتعريف به.
فوائد النظام الغذائي النباتي
يوفّر النظام الغذائي النباتي فوائد صحيّة تتجاوز مُجرّد فقدان الوزن؛ إذ تتضمّن أيضًا:
1. خفض ضغط الدم
أظهرت دراسة عام 2025 في مجلة جمعية القلب الأمريكية أُجريت على نحو 2,300 شخص أنّ استهلاك كمية أكبر ومجموعة أوسع من البروتين النباتي، قد يقلّل خطر الإصابة بارتفاع ضغط الدم بنسبة تصل إلى 16%، مقارنةً بمن تناولوا عددًا أقل من الأطعمة النباتية.
وارتفاع ضغط الدم قد يزيد خطر الإصابة بمشكلات صحية إضافية، مثل أمراض القلب، والسكتة الدماغية، ومرض السكري من النوع الثاني.
2. تقليل خطر الإصابة بأمراض القلب
أيضًا قد يساعد النظام الغذائي النباتي على الحفاظ على صحة القلب، فقد خلصت دراسة عام 2021 في مجلة جمعية القلب الأمريكية، أُجريت على ما يقرب من 5,000 شخص تراوح أعمارهم بين 18 و30 عامًا، ولم يُصابوا بأمراض القلب والأوعية الدموية، إلى أنّ النظام الغذائي النباتي في هذه المرحلة من الحياة قد يساعد على تقليل خطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية، بما في ذلك النوبات القلبية وقصور القلب.
كما وجدت المتابعة التي استمرّت 32 عامًا أنّ أولئك الذين ركَّزوا على تناول الفواكه والخضراوات، بل المنتجات الحيوانية قليلة الدهون وغير المقلية باعتدال، كانوا أقل عرضة للإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية بنسبة 52%.
3. تقليل خطر الإصابة بمرض السكري من النوع الثاني
يُسهِم النظام الغذائي النباتي المليء بالأطعمة عالية الجودة على تقليل خطر الإصابة بمرض السكري من النوع الثاني، وربّما يُعزى ذلك إلى أنّ الأطعمة النباتية تحتوي على نسبة أقل من الدهون المشبعة، مقارنةً بالأطعمة المشتقة من الحيوانات.
كما أشارت مراجعة منهجية عام 2025 في المجلة البريطانية للتغذية إلى أنّ من اتّبعوا نظامًا غذائيًا نباتيًا مع استهلاك أو استبعاد المنتجات الحيوانية، انخفض خطر إصابتهم بمرض السكري من النوع الثاني بنسبة 18%، بينما انخفضت النسبة أكثر إلى 32% لمن اتّبعوا نظام نباتيًا لاكتو أوفو (يشمل البيض ومنتجات الألبان، ويستبعد اللحوم)، بينما خفضت الحمية النباتية الصارمة (استبعاد جميع المنتجات الحيوانية) خطر الإصابة بالمرض ذاته بنسبة 35%.
4. إطالة العُمر
منطقيٌ إذًا أن تساعد الحمية النباتية على إطالة العُمر، وهو ما شهدت به دراسة عام 2024 في دورية «Frontiers in Nutrition»؛ إذ كشفت عن أنّ اتّباع نظام غذائي نباتي قد يقلّل خطر الوفاة بسبب السرطان بنسبة 12%، وأمراض القلب بنسبة 12%، وخطر الوفاة المبكرة بنسبة 16%.
ما العناصر الغذائية التي قد يفتقر إليها الجسم مع الحمية النباتية؟
رغم الفوائد الصحية للحمية النباتية، فإنّها في النهاية تستبعد في أكثر صورها صرامة المنتجات الحيوانية تمامًا، ما قد يجعل الجسم مُهددًا بنقص بعض العناصر الغذائية، وعلى رأسها:
1. فيتامين ب12
فيتامين ب12 ضروري لإنتاج كرات الدم الحمراء، ويتوافر حصرًا تقريبًا في الأطعمة ذات المصدر الحيواني، مثل الأسماك واللحوم ومنتجات الألبان والبيض.
وحين لا يحصل الجسم على ما يكفي من فيتامين ب12، فقد لا يتمكّن من إنتاج ما يكفي من خلايا الدم الحمراء لنقل الأكسجين إلى جميع أجزاء الجسم، لذا قد يحتاج النباتيون إلى تناول مكملات فيتامين ب12 لتجنّب نقص مستوياته في الجسم.
2. البروتين
يدخل البروتين في بناء أنسجة الجسم من جلد أو عظام أو عضلات أو أعضاء، وتُعدّ المصادر الحيوانية الخيار الأمثل للحصول على ما يكفي من البروتين دون الاضطرار إلى تناول كميات كبيرة.
صحيح أنّ الأطعمة النباتية تحتوي على البروتين أيضًا، لكنّه أقل جودة (لا توفّر كل الأطعمة النباتية الأحماض الأمينية الأساسية) مقارنةً بالبروتين الحيواني، كما تكون الحاجة إلى تناول كميات أكبر من الأطعمة النباتية لتلبية الاحتياج اليومي من البروتين.
3. أحماض أوميجا 3 الدهنية
تتوافر أحماض أوميجا 3 الدهنية في الأسماك الدهنية، ولا تتضمّن الأنظمة الغذائية النباتية الصارمة تناول الأسماك التي تحتوي على نوعَين من أحماض أوميجا 3 الدهنية «EPA» و«DHA»، التي قد تساعد على تقليل خطر الإصابة بأمراض القلب، حسب «Mayo Clinic».
لكن يمكن للنباتيين الحصول على هذه الأحماض الدهنية من المكملات الغذائية، لتلبية احتياجات الجسم منها.
4. الحديد
الحديد هو الآخر ضروري لإنتاج كرات الدم الحمراء، وصحيح أنّ الأطعمة النباتية، مثل البازلاء والعدس والخضراوات الورقية الداكنة والفاصوليا المُجفّفة تحتوي على الحديد، لكنّ الجسم لا يمتصّ الحديد من المصادر النباتية بسهولة مثل المصادر الحيوانية، لوجود مضادات العناصر الغذائية في الأطعمة النباتية، مثل حمض الفيتيك.
لذا فإنّ الكمية الموصَى بها من الحديد للنباتيين هي ضِعف الكمية الموصى بها لغير النباتيين تقريبًا، ولمساعدة الجسم على امتصاص الحديد، يُنصَح بتناول الأطعمة الغنية بفيتامين سي، مثل الفراولة والبرتقال والطماطم والبروكلي.
5. الزنك
وكما هو الحال مع الحديد، لا يُمتصّ الزنك بسهولة أيضًا من المنتجات النباتية؛ كما تُعدّ الأسماك ومنتجات الألبان من مصادر الزنك التي لا يُسمَح بتناولها في الحميات النباتية الصارمة.
6. فيتامين د3
يساعد فيتامين د الجسم على امتصاص الكالسيوم، للحفاظ على صحة العظام وحمايتها من الهشاشة، ويمكن الحصول عليه عندما تتعرّض البشرة لأشعة الشمس، ولكن قد يصعب على بعض الناس التعرّض لأشعة الشمس كل يوم، ما يعني ضرورة تحصيل فيتامين د3 من الطعام أو المكملات الغذائية.
وتُعد الأسماك الدهنية وصفار البيض من أفضل مصادر فيتامين د3، وبالطبع هي غير مسموح بها في الحميات النباتية الصارمة، لذا يحتاج النباتيون إلى تناول مكملات فيتامين د3، لتجنّب المشكلات الصحية المرتبطة بنقصه، مثل هشاشة العظام، والاكتئاب، حسب موقع «Healthline».
كيف تستفيد من الحمية النباتية دون التعرّض لسوء التغذية؟
نعم قد يؤدي التزام الحمية النباتية إلى سوء التغذية، ومع ذلك من الممكن الاستفادة منها مع تفادي تلك المشكلة، وذلك من خلال:
- تلبية متطلّبات البروتين: بالحرص على تناول مجموعة واسعة من الأطعمة النباتية الغنية بالبروتين كلّ يوم، مثل:
- البقوليات، مثل الفاصوليا، والعدس، والحمص.
- الحبوب الكاملة، مثل الشوفان، والكينوا، والأرز البني.
- منتجات الصويا.
- البذور والمكسرات.
- منتجات الألبان والبيض (في أشكال النظام الغذائي النباتي التي تسمح بها).
- الحصول على فيتامين ب12: وذلك من خلال مشروبات الصويا المُدعّمة أو البرجر النباتي المُدعّم، أو مستخلص الخميرة المُدعّم، أو من خلال تناول مكملات فيتامين ب12 بعد استشارة طبية.
- تلبية احتياجات الحديد: عبر تناول الأطعمة النباتية الغنية به، مثل الحبوب الكاملة والبقوليات والخضراوات الورقية الداكنة والمكسرات، وإضافة الأطعمة الغنية بفيتامين سي في كل وجبة، مع الاقتصار على تناول الشاي أو القهوة بين الوجبات، وليس معها.
- تلبية احتياجات الزنك: عبر تناول البقوليات والمكسرات والبذور والأرز البني، وتجنّب الإفراط في تناول نخالة القمح غير المُعالَجة.
- تعويض نقص فيتامين د3: وذلك من خلال تناول مكملات فيتامين د3 تحت إشرافٍ طبي.
ختامًا، تساعد الحمية النباتية على إطالة العُمر، وتقليل خطر الإصابة بأمراضٍ مزمنة، مثل أمراض القلب ومرض السكري من النوع الثاني، لكنّها تحمل في طيّاتها خطر سوء التغذية الذي يمكن التغلّب عليه بتنويع مصادر الطعام والحصول على المكملات اللازمة تحت إشرافٍ طبي.
