كيف تؤخر درجات الحرارة المنخفضة الشيخوخة؟ دراسة جديدة تفك اللغز
كشفت دراسة علمية حديثة عن آلية بيولوجية قد تفسر العلاقة بين التعرض لدرجات الحرارة المنخفضة وإطالة العمر، بعدما توصل باحثون إلى أن البرودة المعتدلة تنشط مسارًا جزيئيًا داخل الجسم يساعد على الحفاظ على صحة الأنسجة والحد من تراكم البروتينات الضارة المرتبطة بالشيخوخة وبعض الأمراض العصبية.
وحدد الباحثون دور مركب أيضي يُعرف باسم «ثنائي هيدروبيترين» (BH2)، تنتجه الأنسجة العضلية استجابة لانخفاض درجات الحرارة، ثم ينتقل إلى أجزاء أخرى من الجسم للمساهمة في الحفاظ على توازن البروتينات ودعم صحة الخلايا، بحسب الدراسة المنشورة في مجلة «نيتشر».
كيف تؤثر البرودة في إطالة العمر؟
رغم أن العلاقة بين درجات الحرارة المنخفضة وطول العمر معروفة لدى العلماء منذ أكثر من قرن، من خلال تجارب على كائنات مثل الديدان والذباب والأسماك والقوارض، فإن الآليات المسؤولة عن هذا التأثير لم تكن مفهومة بشكل كامل.
وفي الدراسة الجديدة، أجرى الباحثون تجارب على ديدان «Caenorhabditis elegans»، ووجدوا أن تعريضها لدرجة حرارة تبلغ 15 درجة مئوية، وهي درجة ترتبط بإطالة عمرها، يؤدي إلى زيادة إنتاج إنزيم يُسمى «CAT-4»، خصوصًا داخل الأنسجة العضلية، ما يحفز بدوره إنتاج المركب «BH2».
وبعد انتقال هذا المركب إلى أنسجة أخرى، يتحول إلى جزيء «BH4»، الذي يساعد إنزيمًا يُعرف باسم «PAH-1» على إنتاج الحمض الأميني التيروسين، ضمن سلسلة من التفاعلات التي تدعم الوظائف الخلوية.
حماية البروتينات ومواجهة الأمراض العصبية
وأظهرت النتائج أن تعطيل هذا المسار الجزيئي يقلل من فوائد إطالة العمر المرتبطة بالتعرض للبرد، ما يشير إلى أن التأثير لا ينتج فقط عن تباطؤ عملية الأيض، بل يرتبط بتنشيط آليات بيولوجية منظمة تبدأ من العضلات.
ولاحظ الباحثون أن المسار يساعد على الحفاظ على توازن البروتينات داخل الخلايا، ويحد من تراكم البروتينات الضارة في نموذج للديدان المصابة بمرض هنتنغتون.
وفي تجارب أخرى على خلايا بشرية، وجد الفريق أن إضافة مركب «BH2» قللت من تراكم البروتينات غير الطبيعية المرتبطة بمرض هنتنغتون والتصلب الجانبي الضموري.
وساهمت إضافة المركب والتيروسين في تقليل مؤشرات موت الخلايا العصبية الحركية التي تحمل طفرة مرتبطة بمرض التصلب الجانبي الضموري.
هل يمكن الحصول على فوائد البرد دون انخفاض الحرارة؟
من النتائج اللافتة أن الباحثين تمكنوا من إطالة عمر الديدان عبر زيادة مستويات إنزيم «CAT-4» وراثيًا داخل العضلات، حتى عند درجات الحرارة العادية أو المرتفعة، وهو ما يفتح المجال أمام دراسة إمكانية محاكاة بعض فوائد البرودة دون الحاجة إلى خفض درجة حرارة الجسم.
ويرى الباحثون أن هذه النتائج قد تمهد لتطوير أساليب علاجية تستهدف المسارات الجزيئية المرتبطة بصحة الخلايا والشيخوخة، بدلاً من الاعتماد على التعرض للبرد نفسه.
ومع ذلك، لا تزال النتائج في مراحلها البحثية الأولى، إذ اقتصرت التجارب على الديدان الأسطوانية والخلايا البشرية داخل المختبر.
ولم تثبت بعد أن هذا المسار يمكنه إطالة عمر الإنسان أو الوقاية من الأمراض العصبية، ما يستدعي إجراء مزيد من الدراسات قبل الوصول إلى تطبيقات علاجية.
