بدائل السكر تحت المجهر.. كيف تؤثر المحليات الصناعية على بكتيريا الأمعاء والجلوكوز؟
استبدال السكر بالمحليات الصناعية يُبقي سكر الدم أكثر استقرارًا في المدى القريب، لكن هذه الصورة لا تكتمل عند هذا الحد.
تكشف أبحاث متراكمة أن هذه المواد قد تؤثر على حساسية الأنسولين وتوازن بكتيريا الأمعاء، ما يطرح تساؤلات جدية حول أثرها الفعلي في ضبط مستويات السكر على المدى البعيد.
مقارنة بين السكر والمحليات الصناعية
حين يدخل السكر إلى الجسم، يُكسَّر إلى جلوكوز يُطلَق في الدم، فيستجيب البنكرياس بإفراز الأنسولين لنقل هذا الجلوكوز إلى الخلايا.
التكرار المزمن لهذا الارتفاع يُضعف حساسية الخلايا للأنسولين تدريجيًا، ما يرفع خطر الإصابة بالنوع الثاني من السكري.
المحليات الصناعية، كالسكرالوز والأسبرتام والسكرين وأسيسولفام البوتاسيوم والنيوتام، لا تتكسر إلى جلوكوز، فتعبر الجهاز الهضمي دون أن تُفضي إلى ارتفاع مقاس في السكر أو إفراز مباشر للأنسولين، وفقًا لما نشر في إدارة الغذاء والدواء الأمريكية.
ولهذا صُنِّفت على أنها بديل آمن لمن يسعى إلى تقليص السعرات أو تجنب ارتفاعات الجلوكوز.
تُشير دراسة سريرية المنشورة في مجلة علم وظائف الأعضاء التطبيقي والتغذية والأيض، إلى أن تناول السكرالوز أو الأسبرتام يوميًا لأسبوعين متواصلين لدى بالغين أصحاء لم يُغيّر مستويات الجلوكوز أو الأنسولين بصورة مباشرة.
غير أن هذه الفائدة الآنية لا تعني خلو هذه المواد من أي أثر، فثمة طيف من التأثيرات غير المباشرة رصدتها الأبحاث الأحدث وتستدعي التوقف عندها.
تأثير المحليات الصناعية على سكر الدم
قد يظل سكر الدم هادئًا في الساعات التالية لتناول المحليات الصناعية، إلا أن الاستخدام المتواصل يرسم مسارًا مختلفًا؛ إذ رصدت دراسات أن مرضى السكري من النوع الثاني الذين يستهلكون هذه المواد بانتظام يُظهرون مقاومة أعلى للأنسولين مقارنة بمن يتجنبونها.
وفي دراسة نشرت في مجلة American Diabetes Association، وأجريت على أكثر من 105,000 فرنسي، ارتبط ارتفاع استهلاك المحليات الصناعية بزيادة خطر الإصابة بسكري النوع الثاني.
فضلًا عن ذلك، خلصت مراجعة شملت 21 تجربة سريرية عشوائية إلى أن هذه المحليات رفعت مستويات الأنسولين الصيامي وهيموجلوبين HbA1c، وهو مؤشر التحكم طويل الأمد في سكر الدم.
وتُشير هذه النتائج مجتمعةً إلى أن المحليات الصناعية قد تؤثر على استجابات هرمون الإنكريتين ومسارات امتصاص الجلوكوز في الأمعاء، بصورة تنعكس على ضبط سكر الدم مع مرور الوقت.
ويبدو أن هذا الأثر يتضاعف لدى من تكون حساسيتهم للأنسولين أصلًا في طور التراجع، كمرضى السمنة أو متقدمي العمر.
علاقة المحليات الصناعية بميكروبيوم الأمعاء
تعبر المحليات الصناعية القناة الهضمية دون امتصاص يُذكر، فتتلامس مباشرة مع مليارات الميكروبات المقيمة في الأمعاء.
ورصدت دراسات على البشر والحيوانات أن السكرين والسكرالوز يُحدثان اختلالًا في تركيبة هذه الميكروبات، ارتبط بضعف تحمّل الجلوكوز.
يبدو أن آلية هذا التأثير تمر عبر تقليص إنتاج الأحماض الدهنية قصيرة السلسلة، وهي مركبات تُنتجها بكتيريا الأمعاء النافعة وتؤدي دورًا محوريًا في الحفاظ على حساسية الأنسولين، كما قد يُضعف الاختلال البكتيري نفاذية جدار الأمعاء، ما يُطلق سمومًا تُحرّض التهابًا جهازيًا يُعطّل إشارات الأنسولين.
تجدر الإشارة إلى أن الاستجابات تتباين بين الأفراد تباينًا ملحوظًا وتبعًا للجرعة، كما أفادت بعض الدراسات بغياب أثر واضح على الميكروبيوم.
لذا يتحفّظ الباحثون على استخلاص نتائج قاطعة في هذا الشأن، مشيرين إلى حاجة ماسة لتجارب سريرية أوسع وأطول أمدًا تتابع التأثيرات الفردية بدقة أكبر.
آلية التعامل مع المحليات الصناعية بذكاء
لمن يسعى إلى ضبط سكر الدم، تبقى المحليات الصناعية أداةً مفيدة في تقليص السكر المضاف، شرط ألا تكون الاستراتيجية الوحيدة.
الأطعمة الغنية بالألياف والكربوهيدرات الكاملة والنشاط البدني المنتظم هي الركائز الأساسية، لا مجرد استبدال مُحلٍّ بآخر.
ينبغي أيضًا مراعاة المكونات الأخرى في المنتجات المُحلاة صناعيًا؛ فالمخبوزات "خالية من السكر" قد ترفع الجلوكوز بسبب الدقيق والنشا.
وكثرة استهلاك الأطعمة المُحلاة، حتى وإن كانت صناعية، قد تؤثر سلبًا على تنظيم الشهية وحساسية الأنسولين على المدى البعيد.
ومن يرغب في بديل طبيعي، قد تكون ستيفيا (Stevia rebaudiana Bertoni) خيارًا مناسبًا؛ إذ لا ترفع الجلوكوز أو الأنسولين وفق الدراسات المتاحة.
ومع الحرص على اختيار ستيفيا نقية خالية من أي محليات مضافة، إذ تحتوي بعض منتجاتها التجارية على السكرالوز أو مواد أخرى تُفقدها ميزتها الأساسية.
