آلام أسفل الظهر: دليل لفهم الأسباب وطرق الوقاية
هل تعلم أنّ زيادة وزنك بنحو 4.5 كيلوجرام تمثل ضغطًا إضافيًا على أسفل الظهر يعادِل 13.6 - 22.6 كيلوجرام؟
ربّما لم يخطر على بالك أنّ الساعات الطويلة التي تقضيها في الجلوس تزيد الضغط على أسفل الظهر بنسبة قد تصل إلى 30%.
هذه المؤشّرات ليست ضربًا من الخيال، وإنّما لأنّ أسفل الظهر يتحمّل ثقل الجسم بالكامل وبِه يستقيم العمود الفقري، ويتوازن الجسم، فمن الطبيعي أن يكون مُعرّضًا للألم بسبب عدم العناية به جيدًا.
وإلى جانب الجلوس لفترة طويلة وزيادة الوزن، فإنّ التوتر النفسي قد يكون له تأثير في صحة ظهرك أيضًا، فكيف تحمي نفسك من آلام أسفل الظهر وتضع حدًا لها؟
ما نسبة الإصابة بآلام أسفل الظهر؟
يصِيب ألم أسفل الظهر المنطقة القطنية في الظهر، وقد ينجم عن العديد من المشكلات، ولكن غالبًا ما يكون السبب هو إصابة العضلات أو الأوتار في الظهر.
ويعاني جميع الناس تقريبًا آلام أسفل الظهر في مرحلة ما من حياتهم، ويكون مؤقتًا، ولكن آلام أسفل الظهر المزمنة شائعة أيضًا؛ إذ تصِيب نحو 23% من البالغين في جميع أنحاء العالم، حسب "Cleveland Clinic".
وتكمن خطورة ألم أسفل الظهر أنّه في حال شِدّته قد يجعل المشي أو النوم أو العمل أو الأنشطة اليومية المعتادة صعبة أو مستحيلة.
لماذا تُعدّ آلام أسفل الظهر أكثر شيوعًا من غيرها؟
يرجع ذلك إلى أنّ فقرات أسفل الظهر تبذل جهدًا هائلًا لدعم توازن الجسم، بما في ذلك:
- توفير الاستقرار لبقية العمود الفقري.
- العمل كنقطة ربط للعديد من العضلات والأربطة التي تسمح لك بالمشي والجري والجلوس ورفع وتحريك جسمك في جميع الاتجاهات.
- دعم معظم وزن الجسم.
- العمل كمركز لتوازن الجسم.
أسباب ألم أسفل الظهر
تضمّ أبرز المشكلات الصحية التي قد تسبّب آلام أسفل الظهر:
- الإصابة والالتواء: تُعدّ أكثر الأسباب شيوعًا لآلام الظهر، وقد تحدث إصابة العضلات أو الأوتار أو الأربطة عند رفع شيء ثقيل جدًا أو عدم رفعه بطريقةٍ صحيحة.
- كسور العمود الفقري: يمكن أن تنكسر الفقرات القطنية في حوادث السيارات أو السقوط من مرتفع، كما أنّ هشاشة العظام قد تزيد خطر الإصابة بهذه الكسور.
- مشكلات الأقراص الغضروفية: قد تنزلق الأقراص الغضروفية وتخرج من موضعها في العمود الفقري وتضغط على الأعصاب، وتزداد فرص حدوث ذلك مع تقدّم العُمر.
- التهاب المفاصل: تُعدّ خشونة المفاصل هي الشكل الأكثر شيوعًا من التهاب المفاصل الذي يسبّب آلام أسفل الظهر، ولكن هناك أنواع أخرى قد تسبّب آلام أسفل الظهر، مثل التهاب الفقار المقسط.
- الأمراض: يمكن لأورام العمود الفقري والعديد من أنواع السرطان أن تسبّب آلام الظهر أيضًا.
كيف يسبّب الجلوس طويلًا آلام أسفل الظهر؟
من الطبيعي أن تقضي أوقاتًا طويلة في الجلوس خلال اليوم، سواء في العمل أو في السيارة أو في المنزل، وقد أشارت دراسة إلى أنّ الجلوس لمدة تقل عن 8 ساعات يوميًا بزيادات محدودة لا يسبّب أي مشكلات صحية خطيرة، ولكن غالبًا ما ترتبط أعباء الحياة اليومية بقضاء وقت أطول بكثير في الجلوس.
فالجلوس لفترات طويلة يؤثر في الظهر بعِدّة طرق:
الضغط المستمر على عضلات الظهر
يتسبّب الجلوس لفترات طويلة في إيقاع ضغط مستمر على العضلات المشارِكة في الحفاظ على وضعية الجسم، ما يسبّب ألمًا وتصلّبًا في الظهر.
كما وجدت دراسة أجراها قِسم بيئة العمل بجامعة كورنيل أنّ عضلات الظهر يمكن أن تتعرّض لضغط أكبر بنسبة 90% عند الجلوس مقارنةً بالوقوف.
تدفق الدم إلى العضلات
كذلك يمكن أن يؤثّر الجلوس لفترة طويلة على تدفّق الدم إلى العضلة الألوية الكبرى، وهي عضلات الأرداف التي تدعم العمود الفقري.
كذلك فإنّ بقاء الأرداف غير نشطة لفترة طويلة من الوقت، يمكِن أن يؤدي إلى مشكلة تُعرَف "بإمالة الحوض الأمامية"، وفقًا لـ"Spine Health Foundation".
وتعني تلك المشكلة أنّ يميل الحوض للأمام لدرجة غير صحية، ويمكن أن يؤدي ذلك إلى إضعاف عضلات البطن، ما يجعل البطن يبدو أكبر، فضلًا عن إضعاف حركتك في أثناء النشاط البدني، بالإضافة إلى ارتباطه دائمًا بألم أسفل الظهر.
وضعية الجلوس المنحنية
كذلك وضعية الجلوس مؤثّرة بوضوح في صحة الظهر؛ إذ إنّ الظهر المنحني يضع ضغطًا أكبر على الأقراص الغضروفية، التي تضعف بمرور الوقت.
ويمكِن أن تنزلق الأقراص من مكانها، وعندما يحدث هذا يصطدم القرص بالعصب، بما يسبّب آلامًا شديدة في الظهر، وفي حالة انضغاط العصب الوركي، يمكِن أن يمتدّ الألم إلى الفخذين.
كذلك فإنّ الجلوس منحنيًا قد يؤدي إلى تمدد الأربطة وإضعافها، بينما هي المسؤولة عن الحفاظ على ثبات العمود الفقري، ومِنْ ثمّ فإنّ إصابتها تضعِف استقرار العمود الفقري.
كيف ينعكس التوتر النفسي على صحة ظهرك؟
ثمّة علاقة واضحة بين التوتر وآلام أسفل الظهر؛ إذ بيّنت دراسة عام 2017 في مجلة التوتر المزمن أنّ التوتر المزمن يمكن أن يؤدي إلى ألمٍ مزمن، والعكس الصحيح. وبالنسبة للعديد من الأشخاص، فهذا يتضمّن أيضًا آلام الظهر.
كما أشارت دراسة عام 2021 في مجلة "Scientific Reports" إلى أنّ التوتر المزمن يؤدي إلى خلل في الكورتيزول، بالإضافة إلى مشكلات في الاستجابة الالتهابية في الجسم، وهذا قد يفضِي إلى الإجهاد التأكسدي وإصابة الخلايا أو الشيخوخة، بالإضافة إلى تنكّس الأنسجة، وكلّ ذلك مُؤدٍ إلى ألم مزمن.
وفي العموم يمكِن للتوتر أن يُسهِم في ألم الظهر من خلال:
- زيادة توتر عضلات الظهر، ما يؤدي إلى تصلّبها وألمها.
- زيادة الحساسية للألم.
- اشتعال الالتهابات في جميع أنحاء الجسم، بما في ذلك الظهر، ما قد يسبّب الألم.
- الوضعية غير المثالية للجلوس؛ إذ عندما تتوتّر تتغيّر أنماط تنفّسك ويرتفع كتفاك للأعلى، ما قد يؤدي إلى توتر في منتصف وأعلى الظهر.
- انخفاض تدفق الدم إلى عضلات الظهر؛ إذ تكون الأوعية الدموية أكثر انقباضًا بسبب التوتر.
هل تتوقّف صحة ظهرك على وزن جسمك؟
تتحمّل الفقرات السفلية من العمود الفقري أكبر قدر من الوزن، ومع زيادة وزن الجسم، فإنّ تلك الفقرات تتعرّض لمزيدٍ من الضغط يفوق قدرتها، بل حتى الزيادات الصغيرة في وزن الجسم، يمكن أن تزيد بدرجة كبيرة من مقدار القوة الموضوعة على العمود الفقري.
فقد أظهرت دراسة عام 2023 في المجلة الأوروبية للعمود الفقري أنّه مقابل كل 0.45 كيلوجرام من وزن الجسم المُكتسَب، يمكن أن يتعرّض العمود الفقري لما يصل إلى 1.8 كيلوجرامات إضافية من قوة الضغط؛ اعتمادًا على وضعية الجسم والحركة.
ويتضاعف هذا التأثير في أثناء رفع شيء ما؛ إذ يمكِن لكل 0.45 كيلوجرام إضافي يُرفع، أن يزيد الحمل على العمود الفقري بنحو 4.5 - 7.7 كيلوجرام ، خصوصًا في منطقة أسفل الظهر.
وإذا اجتمع كلّ ذلك مع وضعية الجلوس المنحنية، فإنّ القوة التي يتحمّلها الظهر تتضاعف بصورةٍ أكبر، وبمرور الوقت يمكن أن يؤدي هذا الضغط الإضافي إلى تآكل الأقراص الغضروفية وآلام الظهر وزيادة خطر الإصابة.
تأثير الوزن والجلوس في صحة الظهر في أرقام
تدلّ الأرقام الآتية على مدى تأثير نمط الحياة في صحة الظهر وفقًا لـ"Spine Health Foundation":
- شخص يبلغ وزنه 68 كيلوجرام يقف مستقيمًا = 63 كيلوجرام من الضغط على أقراص العمود الفقري السفلية.
- 4.5 كيلوجرام إضافية من وزن الجسم = ضغط إضافي يراوح بين 13.6 - 22.6 كيلوجرام من الضغط على أقراص أسفل الظهر.
- رفع جسم يزن 9 كيلوجرامات في أثناء الانحناء للأمام، يمكن أن يُنشِئ قوة تراوح بين 181 - 272 كيلوجرام على العمود الفقري، بسبب الرفع وتنشيط العضلات المشاركة.
- يؤدي الجلوس إلى زيادة الضغط بنسبة أكبر تصل إلى نحو 30%، كما أنّ الانحناء خلال الجلوس قد يضاعِف هذا الضغط.
تمارين لتخفيف آلام أسفل الظهر
تضمّ أهم التمارين التي تساعد على تخفيف آلام أسفل الظهر، وفقًا لمؤسسة القلب البريطانية "BHF":
1. تمرين دوران الجذع في أثناء الوقوف (Standing trunk rotation)
- قِف مستقيمًا مع مباعدة ساقيك قليلًا، وثني الركبة قليلًا.
- اعقد ذراعيك على صدرك.
- أبقِ الوركين متجهين للأمام في جميع الوقت.
- استدر ببطء إلى اليمين (بقدر ما يريحك)، ثُمّ عُد إلى وضعية مواجهة الأمام.
- استدر ببطء إلى اليسار (بقدر ما يريحك)، ثُمّ عُد إلى وضعية مواجهة الأمام.
- كرّر التمرين 10 مرات على كل جانب.
2. تمرين الركبتين العاليتين (High knees)
- قِف مستقيمًا مع مباعدة ساقيك قليلًا.
- ارفع ركبتك اليمنى ببطء إلى 90 درجة (أو إلى أعلى مستوى ممكن)، ثُمّ أنزِلها ببطء.
- ارفع ركبتك اليسرى ببطء إلى 90 درجة (أو إلى أعلى مستوى ممكن)، ثُمّ أنزلها ببطء حتى تصل إلى الأرض.
- كرّر التمرين 10 مرات مع كل ساق.
3. تمرين الانحناء الجانبي في أثناء الوقوف (Standing side bends)
- قِف مستقيمًا مع مباعدة ساقيك بنفس مسافة عرض الكتفين.
- اترك ذراعيك مسترخيتين تمامًا بجانب جسمك.
- مع الحفاظ على استقامة جسمك، انحنِ ببطء جهة اليمين، واسمح ليدك بالانزلاق على جانب ساقك باتجاه الركبة.
- انحنِ إلى أقصى مدى تشعر فيه بالراحة دون ألم.
- عُد ببطء إلى وضعية الوقوف المستقيم، ثُمّ كرر الحركة جهة اليسار.
- كرّر التمرين 10 مرات لكل جانب.
4. تمرين تمدد الظهر في أثناء الوقوف (Standing back stretch)
- قِف مستقيمًا مع مباعدة ساقيك نفس مسافة عرض الكتفين.
- انحنِ ببطء إلى الأمام، مع جعل ظهرك مُقوّسًا للأعلى نحو السقف بينما تخفض كتفيك إلى الأسفل، وحاول الوصول بأصابعك إلى الأرض.
- قُم بإرخاء عضلات ظهرك حتى تشعر كأنّك تُدلِّي الجزء العلوي من جسمك إلى الأسفل.
- ارفع نفسك ببطء مرة أخرى للوقوف مستقيمًا.
- كرّر التمرين 5 مرات.
نصائح لتجنّب آلام أسفل الظهر وتخفيفها
إلى جانب تمارين تخفيف آلام أسفل الظهر، يُوصَى باتباع النصائح الآتية لتجنّب هذه الآلام:
1. وضعية الجلوس المناسبة
إنّ الجلوس على كرسي مع داعم لأسفل الظهر، مع الحفاظ على ثني الركبتين بزاوية 90 درجة، يؤدي إلى تقليل انحناء العمود الفقري بدرجةٍ طفيفة وملحوظة، وهذه الوضعية تضع ضغطًا أقل على العمود الفقري والظهر والكتفين.
ومع ذلك، يظلّ من الأفضل مناقشة وضعية الجلوس المثالية مع طبيب مُختص.
2. ممارسة الرياضة
يساعد النشاط البدني على تقليل خطر الإصابة بآلام أسفل الظهر وتخفيفها، حتى لو كانت تمارين بسيطة تمارسها كل يوم، فهذا يحافظ على مرونة الأربطة والعضلات وصحة العمود الفقري.
3. النشاط البدني في العمل
إذا كُنت تعمل على مكتب لساعات طويلة، فتأكّد من النهوض من مقعدك بين الحين والآخر، حتى لو كُنت تحافظ على وضعية جلوس صحيحة أو تجلس على كرسي مع داعم لأسفل الظهر، ويُفضّل ممارسة بعض التمارين البسيطة كل 20 - 30 دقيقة، مثل لمس الأرض، أو الوقوف في وضع منحنً.
4. الحفاظ على وزن صحي
يتطلّب ذلك اتّباع نمط حياة صحي بتناول نظام غذائي صحي وممارسة التمارين الرياضية بانتظام، فالحفاظ على الوزن يقلّل من خطر الإصابة بآلام أسفل الظهر.
5. تقليل التوتر
تساعد ممارسة الرياضة بانتظام على تقليل التوتر، بالإضافة إلى تقنيات الاسترخاء، مثل التنفس العميق، كما يُوصَى بالحصول على قسط كاف من النوم كل ليلة، لأنّه ضروري لإزالة التوتر.
متى يجب استشارة الطبيب؟
أحيانًا يجب استشارة الطبيب مع المعاناة من آلام أسفل الظهر، خصوصًا إذا ظهرت أي من الأعراض الآتية:
- التنميل.
- ضعف في إحدى الساقين أو كلتيهما.
- مشكلات في التبول أو التبرز.
- الحمى.
- الدوار أو الإغماء.
- ألم شديد في البطن.
في النهاية قد يصعب تجنّب آلام أسفل الظهر تمامًا، خصوصًا مع نمط الحياة الحديث الذي يستلزم الجلوس لساعات طويلة، ولكنْ قليل من الحركة كل يوم يمكِن أن يُحدِث فرقًا كبيرًا، سواء في صحتك أو في حماية ظهرك من آلام لا تُطاق.
