الملل.. الشرارة الخفية للإبداع والتجديد
قد نسارِع في التمرير عبر هواتفنا، أو نبحث عن لعبة إلكترونية تُسلّينا، أو أحيانًا نذهب إلى الخارج، أو ربّما نفعل أمورًا أخرى ليس لشيءٍ إلّا الهروب من الملل.
نعم لا يحبّ أحدٌ أن يشعر بالملل، وكثيرًا ما يرتبط الملل في أذهاننا بالخمول والراحة، ولكن الحقيقة أنّ للملل فوائد ربّما تخفى علينا بينما نحاول الهروب منه، مثل زيادة الإبداع، أو إعادة الشغف لتجربة شيء ما جديد، فهل ينبغي أن نفرّ من الملل أم يمكِننا أن نستفيد منه لتغيير حياتنا نحو الأفضل؟
الملل تحت المجهر
الملل هو ذلك الشعور المزعج الذي ينتابك عندما لا تجد شيئًا يملأ شغفك من نشاط أو أفكار أو حتى فيما يحيط بك، ومن ثمّ فقد لا تفعل أي شيء، بل قد تجد نفسك أقل نشاطًا وربّما محبطًا.
ومن الطبيعي أن يشعر المرء بمللٍ بين الحين والآخر، ولكن يربط كثير من الناس الملل بالكسل أو غياب الطموح، ولكن الملل ليس شيئًا سلبيًا بطبيعته.
بل على الحقيقة يُعدّ الملل استجابة طبيعية لنقص الحافز، ويمكِن أن يشير إلى أنّ البيئة من حولك أو نشاطك الحاليّ لا يلبّي احتياجاتك المعرفية أو العاطفية، ومِنْ ثمّ يخلق الملل دافعًا للبحث عن تجارب أكثر فائدة لك.
وهناك نوعان رئيسان من الملل، وفقًا لموقع "Calm":
- الملل العابر: ملل مُعتاد تشعر به كل يوم ويختفي عادةً عندما تُغيّر نشاطك.
- الملل المزمن: ملل مستمر قد يستدعي تغييرات في نمط حياتك.
فوائد الملل للصحة النفسية: الوجه الآخر للملل
رغم اشتهار الملل بدوره في التسبّب في أمور سلبية، فإنّ له بعض الفوائد أيضًا، والتي تضم حسب موقع "Psychology today":
1. تحسين الصحة النفسية
في عصر المعلومات الحالي؛ أصبحت أدمغتنا مُثقلة بالمعلومات والمُشتِّتات، وكُلّما زادت المعلومات المعروضة أمامنا، قلّت قدرتنا على الانتباه.
فالانتباه يستنفد الموارد المعرفية المحدودة المُخصّصة للأنشطة الإنتاجية، ولذلك فإنّ أخذ قسط من الراحة قد يكون فرصة ثمينة لمساعدة أدمغتنا المثقلة على الاسترخاء وتخفيف التوتر أو بالأحرى أن تُعرِّض نفسك للملل.
وببساطة يمكِنك أن تستفيد من الملل عندما تبتعد عن وسائل التواصل الاجتماعي والضغوطات الأخرى لفترة كافية.
2. الإبداع من ثمار الملل
أيضًا قد يوفّر الملل فرصة لأن تلقِي نظرة أعمق إلى داخلك وتستغل الوقت المتاح للتفكير والتأمل، بل يمكن للملل أن يعزّز الإبداع وحلّ المشكلات بإتاحة الفرصة للعقل بالتجوّل في الأفكار والسعي لإيجاد حلول غير تقليدية.
ففي إحدى الدراسات طُلِب من بعض الأشخاص القيام بمهمة مملة (مثل قراءة التقارير أو حضور اجتماعات رتيبة)، وقد شجّعت هذه المهام المملة عقولهم على التجوّل في الأفكار، ما أدّى إلى طرق تفكير إبداعية.
وأظهرت الدراسة أنّنا قد نكتشف أفكارًا جديدة من خلال الأنشطة الروتينية، وفي غياب ما يثِير انتباهنا ونشاطنا في الخارج، نستخدم مخيلتنا ونفكّر خارج الصندوق.
كذلك في دراسة أخرى عام 2014 في مجلة أبحاث الإبداع، طلب الباحثون من المشاركين الانخراط في مهمة مملة لمدة 15 دقيقة قبل إكمال مهمة إبداعية.
ووجدوا أنّ أولئك الذين شاركوا في المهمة المملة سابقًا أنتجوا حلولًا أكثر إبداعًا، مقارنةً بمن لم يشتركوا في المهمة المملة.
3. تجديد روح المغامرة
لولا الملل ما اضطر البشر للمغامرة وتجربة أشياء جديدة، ربّما يستفيد منها العالم اليوم أكثر من أي وقت مضى، فالإنسان ذكي فضولي بطبعه ويبحث عن كل ما هو جديد.
والبحث عمّا هو جديد يعني عدم الرضا عن الوضع الراهن والاستعداد لتحدّي الأفكار والممارسات القائمة.
يقول "جولدبيرج" في كتابه "The New Executive Brain: Frontal Lobes in A Complex World" أنّ "كريستوفر كولومبوس" الذي سافر حول العالم، لم يكُن ليشرع في رحلته لولا أنّه يعاني بطبعه عُسر المزاج ولو كان عقار بروزاك (دواء للاكتئاب) متاحًا في تلك الأيام (لعالج مزاجه وأبقاه مستقرًا ولما اضطّر للمخاطرة).
4. إحياء شغفك
يحفّزنا الملل على السعي لتحقيق أهداف جديدة، لأنّ الملل إشارة عاطفية على أنّنا لا نفعل ما نريد حقًا أن نفعله.
فالملل الذي نشعر به لا يعني فقط أنّنا في موقف لا يثِير اهتمامنا، ولكنّه أيضًا لا يلبّي طموحاتنا ورغباتنا، ولذا فإنّ الملل يوجّهنا إلى التحوّل إلى أهداف أكثر إشباعًا من تلك التي نسعى إليها حاليًا.
5. تعزيز مهارات ضبط النفس
فقدان الاهتمام طبيعي مع الملل، ما يؤثر في القدرة على التركيز والانتباه، وفي الفصول الدراسية مثلًا، يؤدي الملل بين الطلاب إلى الانفصال عن الفصل وضعف الأداء.
وترتبط القدرة على التركيز وضبط النفس بالقدرة على التعامل مع الملل، ولذا فإنّ تعلّم تحمّل الملل في سن مبكّرة أحد طرق تطوير مهارات ضبط النفس (تنظيم الأفكار والعواطف والسلوك).
متى يصبح الملل مشكلة؟
الملل بين الحين والآخر أمر طبيعي ولا بأس به، بل قد يجدّد إبداعك ويعِيد روح المغامرة إليك، ولكن الملل المزمن مرتبط بمشكلات الصحة النفسية، مثل الاكتئاب والقلق وتعاطي المواد المخدرة.
كذلك فإنّ بعض الأشخاص المصابين بمشكلات معينة، مثل اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه أو الاكتئاب أو إصابات الدماغ المؤلمة، قد يجدون الملل عائقًا بالنسبة لهم أكثر من كونه وسيلة مفيدة لإثارة أفكار جديدة.
كيف تستفيد من لحظات الملل العابر؟
يمكنك الاستفادة من لحظات الملل مع تجنّب الإحساس غير المريح له من خلال:
1. التوازن بين الأنشطة والراحة
من الجيد أن يكون لديك مجموعة متنوعة من الأنشطة التي تستمتع بها، ومع ذلك فإنّ الراحة مهمة لإعادة شحن دماغك، رغم ما يصحبها من ملل قد لا تحبّه، لذا حاول أن توازِن بين النشاط والراحة، فهذا يخدم قدرتك على الإبداع لاحقًا.
2. جرّب شيئًا جديدًا
لم لا تجرّب هواية جديدة، أو تلعب لعبة لم تلعبها من قبل، أو ربّما تقرأ كتابًا مسلّيًا، أو تجرّب وصفة جديدة؟ كلّ هذه الأمور يمكِن أن تشعِل طاقة الإبداع لديك وتلهِيك عن الملل، وربّما كان الملل هو طريقة جسمك في إخبارك أن تفعل شيئًا جديدًا!
3. الاستمتاع بالحنين إلى الماضي
حين نشعر بالملل، قد تطاردنا بعض الذكريات، خصوصًا مع التقدّم في العُمر، وهذا أمر طبيعي ومتوقع، ولا ينبغي الاستياء بسببه، ولكن إذا أصبحت الذكريات المفرطة مشكلة، فحاول توجيه التركيز إلى الأهداف والرغبات الحالية أو المستقبلية لبضع دقائق.
في النهاية، لا تنس أنّ الملل جزء طبيعي من الحياة، فكما تمرّ عليك أوقات تستمتع بها، فكذلك هناك أوقات نشعر فيها بالملل، وهو ليس شيئًا سلبيًا بالضرورة، بل ربّما استخرج منك إبداعًا كامنًا، أو أعاد روح المغامرة المفقودة إليك، أو حتى حفّزك على تجربة شيء جديد يكسر هذا الملل، وربّما فتح لك أبوابًا جديدة لم تكُن لتطرقها لولا الملل!
