"ديتوكس الدوبامين": لماذا لا ينجح، وما البدائل لاستعادة التوازن؟
بعد أن كُنت تمرّر في هاتفك تتصفّح وسائل التواصل الاجتماعي أو تتسوّق لشراء شيءٍ ما، وكُنت تشعر بحماس وسعادة؛ إذ انقلب السلوك نفسه مللًا بالنسبة لك. صحيح أنّك تستمرّ في تصفّح هاتفك ولكن كأنّه سلوك روتيني تعجز عن إيقافه.
وكلمة السرّ هنا هي الدوبامين، الذي جعلك تشعر بالسعادة في البداية، ولكن مع استمرار التحفيز بات أقل فعالية، فكان الاستمرار في فعل النشاط نفسه منطقيًا للحصول على جُرعة الدوبامين تلك.
ولذلك ظهر ما يُعرَف "بديتوكس الدوبامين" في محاولة لاستعادة التوازن وتقليل مثل هذا السلوك، فهل هو فعّال؟ ولماذا قد لا ينجح ديتوكس الدوبامين؟ وما البدائل الطبيعية الفعالة؟
متى بدأت قصة ديتوكس الدوبامين؟
كان عالِم النفْس "كاميرون سيباه" أول من صاغ مُصطلح "صيام الدوبامين" في مقالة نُشِرت عام 2019 على موقع لينكد إن. وكان الهدف، كما وصفه، هو الحد من السلوكات الإشكالية أو الاندفاعية، مثل الأكل العاطفي والإفراط في استخدام الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي.
وأوضح أنّ هذه السلوكات وغيرها تمنحنا جرعات سريعة من الدوبامين، وتفترض نظريته أنّ الامتناع عن هذه الأنشطة وغيرها من أشكال الإشباع الفوري، يمكِن أن تجعلنا أقل اعتمادًا على تلك المحفّزات لنشعر بالسعادة.
طرح سيباه الأمر كما لو كان فكرة جديدة، وكتب: "كما أصبح الصيام المتقطّع رائجًا في وادي السيليكون، فقد ابتكرت "صيام الدوبامين 2.0" كترياق لعصرنا المليء بالمحفّزات المفرطة"، والذي وُصِف أيضًا "بديتوكس الدوبامين".
ما هو ديتوكس الدوبامين؟
ديتوكس الدوبامين هو ممارسة تجنّب الأنشطة والسلوكات التي تمنحك إشباعًا فوريًا أو تحفيزًا مفرطًا، مثل:
- التمرير على وسائل التواصل الاجتماعي.
- مشاهدة التلفاز.
- لعب ألعاب الفيديو.
- التسوّق.
- تناول أطعمة مُعيّنة.
والفكرة هي أنّه عندما تأخذ استراحة من الأشياء التي تحفّز مركز المكافأة في دماغك، يمكنك مساعدة جسمك على استعادة بل زيادة استجابته الطبيعية للدوبامين.
كيف يتلاعب الدوبامين بسعادتك؟
لنلقِي نظرة عن كثب بشأن ما يفعله ديتوكس الدوبامين لك، فمن الصعب في البداية إيقاف الأنشطة التي تجعلك تشعر بالارتياح؛ إذ غالبًا ما تُصمّم تطبيقات الوسائط الاجتماعية ومنصات التسوق عبر الإنترنت وألعاب الفيديو وما إلى ذلك، لإبقائك منخرطًا بها لأطول فترة ممكنة.
ولكن حسب دراسة عام 2021 في دورية "Frontiers in Psychiatry"، فإنّ التعامل مع هذه المنصات الرقمية يؤدي إلى تحفيز مسارات المكافأة في الدماغ، وقد يصبِح الأمر إدمانًا.
ويرتبط الدوبامين بمسارات المكافأة هذه، ولهذا السبب يُطلَق عليه غالبًا "هرمون الشعور بالسعادة"، ويهدف ديتوكس الدوبامين إلى توفير استراحة من التحفيز المستمر.
يقول الدكتور "أدريان جاك أمبروز" عالِم أعصاب وطبيب نفسي في المركز الطبي بجامعة كولومبيا: "يشعر العديد من الأشخاص بالتوتر والإرهاق والقلق والاكتئاب بسبب التحفيز المستمرّ للدوبامين".
ومن الناحية النظرية فإنّه عندما يُصبِح الدماغ مُشبّعًا بتنشيطات الدوبامين، فإنّه يبدأ في تقليل مستقبِلات الدوبامين وتأثيراتها.
ويوضّح الدكتور "أمبروز": "ونتيجة لذلك، قد يشعر الناس بقدر أقل من السعادة بمرور الوقت، ما قد يؤدي إلى مشاركة أكثر تواترًا وكثافة في الأنشطة المنتِجة للدوبامين لتحقيق المستوى نفسه من السعادة".
كيف يعمل ديتوكس الدوبامين؟
يتضمّن ديتوكس الدوبامين الخطوات الآتية التي تساعدك على تغيير العادات:
1. الوعي بالسلوكيات غير المفيدة
من المهم في البداية بناء الوعي بشأن كيفية تحوّل السلوكات إلى سلوكات غير مفيدة، فمثلًا قد تبدأ بإدراك أنّك تقضي كثيرًا من الوقت على وسائل التواصل الاجتماعي أو تتسوّق كثيرًا عبر الإنترنت.
2. تحديد فترات الصيام
يمكِنك تحديد أوقات مُعيّنة تكون فيها هذه الأنشطة محظورة عليك، فمثلًا إذا كُنت تقضي وقتًا طويلاً مع لعبة عبر الإنترنت، فيمكنك أن تقرّر أنّك لن تفعل ذلك في أثناء النهار خلال وجودك في العمل.
3. تعيين نوافذ الاحتفال
هي فترات مُعيّنة للاستمتاع بالنشاط، فمثلًا يمكِنك تحديد 10 دقائق تقضيها على وسائل التواصل الاجتماعي كل مساء، عندما تعود إلى المنزل من العمل.
4. تقييد الوصول
وذلك بوضع المحفّز بعيدًا عنك، مثل الهاتف أو الحاسوب المحمول، وجعل الوصول إليه أكثر صعوبة عندما تحاول استخدامه.
5. البحث عن نشاط بديل
يمكنك البحث عن نشاط مختلف تستمتع به لإبقائك مشغولًا، مثل الركض أو المشي لمسافات طويلة أو قراءة كتاب.
6. إيجاد التوازن
لا ينبغي الانقطاع التام عن وسائل التواصل الاجتماعي، بل الأمر متعلّق بإيجاد التوازن الصحيح، ويقول الدكتور "أمبروز": "رغم أنّه من الرائع التواصل والتفاعل مع الآخرين عبر الإنترنت، فإنّه من غير المفيد قضاء عشر ساعات يوميًا على وسائل التواصل الاجتماعي".
الفوائد الخفية لديتوكس الدوبامين
صحيح أنّ ديتوكس الدوبامين الهدف منه استعادة الشعور بالسعادة من جديد واستعادة فعالية الدوبامين، وربّما قد لا ينجح الأمر، ولكن مع ذلك فقد يوفّر بعض الفوائد مع تجربته؛ إذ أشارت مراجعة عام 2024 في دورية "Cureus" إلى أنّ الأشخاص الذين ينخرطون في "أيديولوجيات تشبِه صيام الدوبامين" قد يحصلون على فوائد، مثل:
- زيادة التركيز على المهام.
- انخفاض السلوكيات الاندفاعية.
- انخفاض مشاعر الإرهاق.
ولكن لاحظ مؤلِّفو المراجعة أيضًا أنّ الأشكال المتطرفة من "الأيديولوجيات الشبيهة بصيام الدوبامين" قد تؤدي إلى آثار صحية سلبية، مثل القلق وسوء التغذية والشعور بالوحدة.
لماذا لا ينجح ديتوكس الدوبامين؟
بدايةً، نحن بحاجةٍ إلى الدوبامين للعيش، فليس هناك تخلّص حقيقي من الدوبامين في الجسم، وربّما لا ينجح ديتوكس الدوبامين للأسباب الآتية:
1. الدوبامين ليس اللاعب الوحيد
الدوبامين ليس الناقل العصبي الوحيد الذي يجعلك تشعر بالسعادة عندما تشارِك في أنشطة ممتعة، بل هناك أيضًا الإندورفين والسيروتونين والأوكسيتوسين والنورأدرينالين.
فحتى لو كان من الممكن التخلّص من سموم الدوبامين -وهو ليس كذلك- فلن تحصل على التأثير المطلوب.
2. المتعة ليست سيئة دائمًا
هنا مشكلة أخرى تتعلّق بمفهوم ديتوكس الدوبامين، فالأنشطة الإيجابية والصحيّة تطلِق الدوبامين أيضًا.
توضِّح الدكتورة "سوزان ألبرس" الحاصلة على دكتوراه في علم النفس والطبيبة النفسية في مركز صحة المرأة في فرع ووستر في "كليفلاند كلينك" قائلةً: "الناقلات العصبية هي آليات للبقاء على قيد الحياة. دون الدوبامين، لن نكلّف أنفسنا عناء القيام بأشياء، مثل تناول الطعام أو ممارسة الرياضة أو التكاثر أو التواصل الاجتماعي. لن نهتم بذلك لأنّه لن يكون هناك أي دافع. نحن بحاجةٍ إلى بعض المُتعة في حياتنا".
فنفس نظام المكافآت الذي يخبِرك بالانخراط في أنشطة صحية يخبِرك أيضًا بمواصلة سلوك خطير أو مؤلِم في شكل إدمان.
3. الكلّ أو لا شيء غير فعّال
إنّ فكرة الامتناع عن أي نشاط يجلب لك السعادة تبدو كئيبة، وهي كذلك حقًا، وقد تشكّل تحديًا كبيرًا بالنسبة لكثيرٍ من الناس، بل في بعض الأحيان يمكِن أن يأتي هذا بنتيجة عكسية، كما توضّح الدكتورة ألبرس: "وهذا هو السبب وراء عدم فعالية الأنظمة الغذائية القاسية، فقد يكون التغيير جذريًا، ولكنّه غير مُستدام".
فلا يمكِن للمرء تغيير عاداته عن طريق تمزيق حياته، بل يمكِنه القيام بذلك من خلال التركيز على واحد أو اثنين من هذه السلوكات الإشكالية وتعديلها في وقتٍ واحد.
طرق صحيحة لإعادة التوازن
قد لا تكون بحاجة إلى جدول زمني للتخلص من سموم الدوبامين لتحسين مستويات الدوبامين لديك، ولكن هناك طرق طبيعية تساعد جسمك على تنظيم الدوبامين، مثل:
1. ممارسة الرياضة
توصّلت مراجعة لست دراسات صغيرة، نشِرت عام 2021 في دورية "Brain Sciences" إلى أنّ النشاط البدني يحسّن مستويات الدوبامين في الجسم. وقد ركّزت معظم نتائج الدراسات على ركوب الدراجات، لكن إحدى الدراسات توصّلت إلى نتائج مماثلة بعد أن مشى المشاركون لمدة 2.5 ساعة في الأسبوع أو مارسوا تمارين القوة.
2. النظام الغذائي
إنّ الطعام الذي تتناوله يؤثِّر أيضًا في مستويات الدوبامين، فهناك ما يُعرَف بمُركّب التيروزين، وهو مركّب طبيعي موجود في بعض الأطعمة، ويحوّله جسمك إلى الدوبامين.
ولذا فقد يساعد تناول نظام غذائي غني بالتيروزين على زيادة مستويات الدوبامين لديك، مثل:
- الدجاج ولحم البقر ولحم الضأن والأسماك.
- المكسرات والفاصوليا والحبوب الكاملة.
- البيض والجبن ومنتجات الألبان.
كما أظهرت دراسة عام 2021 في دورية "Nutrition Research Reviews" أنّ الأنظمة الغذائية الغنية بالدهون، خصوصًا الدهون المشبعة، قد تؤدي إلى انخفاض الدوبامين، لذا فإنّ تجنّب الأطعمة الغنية بالدهون المشبعة قد يساعد أيضًا.
3. النوم
ثمّة بعض الأدلة على أنّ الدوبامين له دور في النوم، فمثلًا ينتِج الأشخاص المصابون بمرض باركنسون كمية أقل من الدوبامين، وغالبًا ما يعانون أنماط نوم مضطربة.
كما توصّلت بعض الدراسات إلى أنّ الأشخاص الذين لم يحصلوا على قسطٍ كاف من النوم، أنتجوا مستويات أقل من الدوبامين.
لذا حاول أن تحصل على قسط كاف من النوم لتنظيم مستويات الدوبامين لديك من خلال:
- تجنّب قضاء وقت طويل أمام الشاشة.
- الالتزام بجدول نوم منتظم.
- خلق بيئة تساعد على تعزيز الراحة في غرفة النوم.
في النهاية، فإنّ العادات الصحية وعيش حياة طبيعية متوازنة، هو من أفضل ما يساعد على تنظيم مستويات الدوبامين لديك، وربّما تنجح في الامتناع عن وسائل التواصل الاجتماعي مثلًا أو قد لا تنجح، ولكن بالتأكيد لديك القدرة على تنظيم أوقاتك خلال اليوم، وإعطاء كل شيء تفعله الوقت الذي يستحقه دون زيادة أو نقص، للحفاظ على تأثير الدوبامين ونشاطه الطبيعي لديك.
