دور النوم الكافي في تقوية المناعة عند الرجال: أعمق مما تتخيل
يرتبط النوم في أذهاننا بالراحة ليلًا للاستيقاظ بنشاطٍ وافر في صباح اليوم التالي، فالجسم يستعيد عافية كل خلية من خلاياه خلال الليل، وليست الخلايا المناعية استثناءً؛ إذ ثبت أنّ المناعة يكون لها نشاط خلال النوم.
لذلك فإنّ قلّة ساعات النوم قد يكون لها أثر سلبي في مناعتك، بما قد يزيد احتمالية الإصابة بنزلات البرد مثلًا، فما حقيقة دور النوم الكافي في تقوية المناعة عند الرجال؟ وكيف تتمتّع بنومٍ عالي الجودة كل ليلة؟
كيف يعمل جهازك المناعي؟
الجهاز المناعي هو شبكة مُعقّدة ممتدة في جميع أنحاء الجسم، تُشكِّل خطوط دفاعٍ ضد المرض، وتنقسم هذه الدفاعات عمومًا إلى فئتين رئيستَين:
- المناعة الفطرية: نوع واسع من الحماية، يتضمّن عِدّة طبقات دفاعية.
- المناعة التكيفية أو المعروفة بالمناعة المكتسبة: هي الدفاعات التي تتطوّر بمرور الوقت، والتي تستهدف تهديدات مُحدّدة للجسم.
ومن المكوّنات المهمة لجهاز المناعة كريات الدم البيضاء، التي تُحدِّد مُسبِّبات الأمراض الغريبة عن الجسم، وتهاجِمها وتزِيلها من الجسم.
ويتفاعل الجهاز المناعي مع مُسبِّبات الأمراض بطريقة فورية من خلال المناعة الفطرية، وبطريقة مُكتسَبة من خلال المناعة التكيّفية، ما يسمح لك بالتفاعل مع بيئتك بأمان كل يوم.
وعندما تكتشف خلية دم بيضاء مُسبِّبات الأمراض، فإنّها تطلِق "السيتوكينات" لإخبار خلايا الدم البيضاء الأخرى بأن تتأهّب للهجوم، كما تشارِك مواد كيميائية أخرى، مثل الهيستامين، في التفاعلات المناعية، مثل التورّم أو الاحمرار.
دور النوم الكافي في تقوية المناعة عند الرجال
يوفّر النوم الدعم الأساسي لجهاز المناعي؛ إذ إنّ الحصول على ساعات كافية من النوم عالي الجودة، يُمكِّن من الدفاع المناعي المتوازن، وفي المقابل فإنّ مشكلات النوم الخطيرة، مثل الأرق أو انقطاع التنفس في أثناء النوم أو اضطراب إيقاع الساعة البيولوجية، قد يؤثِّر سلبًا في الجهاز المناعي.
النوم والمناعة الفطرية والتكيفية
يُجدِّد الجسم نشاطه بينما تستريح نائمًا، وقد توصّل باحثون إلى أنّ بعض مكونات الجهاز المناعي تنشط في أثناء النوم الليلي، فمثلًا تكون هناك زيادة في إنتاج السيتوكينات المرتبطة بالالتهاب، ويبدو أنّ هذا النشاط مدفوع بالنوم والإيقاع اليومي أو الساعة البيولوجية.
وإذا كُنت مريضًا أو مُصابًا، فإنّ هذه الاستجابة الالتهابية قد تساعد على التعافي وتعزيز المناعة الفطرية والتكيفية، بينما يُصلِح الجسم الجروح أو يحارِب العدوى.
ومع ذلك أشارت دراسة عام 2019 في دورية "Nature Reviews Immunology" إلى أنّ هذا الالتهاب يحدث حتى عندما لا يكون الشخص مصابًا أو مريضًا، بل قد يكون الدور الأساسي لهذا النشاط المناعي الليلي هو تعزيز المناعة التكيّفية.
ومع انتهاء فترة النوم، وبطبيعة الساعة البيولوجية للجسم، ينخفض هذا الالتهاب، وبهذه الطريقة يتضح دور النوم الكافي في تقوية المناعة عند الرجال.
النوم والحساسية
تحدث الحساسية عندما يبالِغ الجهاز المناعي في ردّ فعل تجاه شيء لا يُسبِّب ضررًا لمعظم الناس.
وقد أشارت دراسة عام 2013 في دورية "Chronobiology International" إلى أنّ إيقاع الساعة البيولوجية للشخص، يشارِك في تنظيم رد فعل الجسم تجاه المواد المُسبِّبة للحساسية.
فعندما يختلّ إيقاع الساعة البيولوجية (نتيجة اضطراب النوم مثلًا)، فإنّ ذلك قد يزيد احتمالية وشدّة ردود الفعل التحسسية.
كما بيّنت دراسة عام 2019 في دورية "Food Allergy and Gastrointestinal Disease" أنّ الحرمان من النوم يجعل الأشخاص الذين يعانون حساسية الفول السوداني أكثر عرضة للإصابة بنوبة حساسية.
النوم واللقاحات
أظهرت الدراسات أنّ النوم يحسّن من تأثير اللقاحات، ما يدلّ على أهمية النوم الجيّد للمناعة التكيفية.
واللقاحات تعمل عن طريق إدخال مُستضد (مادة محفزة للمناعة) ضعيف أو غير نشط إلى الجسم، ما يؤدي إلى استجابة مناعية، وبهذه الطريقة تُعلِّم اللقاحات الجهاز المناعي بشكلٍ فعال للتعامل مع المرض سريعًا لاحقًا.
لذلك فإنّ النوم عامل مهم في تحديد فعالية اللقاحات، حسب ما ذكرته دراسة عام 2019 في دورية "Clinical Microbiology Reviews".
هل يؤدي الحرمان من النوم إلى ضعف مناعتك؟
الحرمان من النوم واسع التأثير، فقد يعطّل الجهاز المناعي، ويسهّل الإصابة بالمرض، فقد ارتبطت قلة النوم ليلًا بالأمراض قصيرة الأمد، وكذلك خطر الإصابة بالأمراض المزمنة، مثل مرض السكري ومشكلات القلب.
كما أظهرت دراسة عام 2015 في مجلة النوم أنّه على المدى القصير، يكون خطر الإصابة بالعدوى أعلى لدى الأشخاص الذين ينامون أقل من 6 أو 7 ساعات كل ليلة. كما توصّلت دراسات أخرى إلى أنّ قلة النوم قد تزيد من احتمالية الإصابة بنزلات البرد أو الإنفلونزا.
كذلك فإنّ الأشخاص الذين يتمتّعون بنومٍ صحي، يتراجع الالتهاب في أثناء الليل لديهم إلى مستواه الطبيعي قبل الاستيقاظ. أما الذين لا يحصلون على قسطٍ كاف من النوم، فإنه يفشل هذا النظام الذاتي لديهم عادةً، ويستمرّ الالتهاب.
وربّما يتمكّن بعض الأشخاص من قضاء يومهم رغم ساعات النوم القليلة، ولكن الجهاز المناعي لا يتعلّم كيفية التعوّد على قلة النوم، ما قد يجعل الالتهاب منخفض الدرجة مزمنًا، وهو الأمر الذي قد يُسهِم في زيادة تدهور الصحة على المدى الطويل.
استراتيجيات عملية للحصول على نوم صحي منتظم
يحتاج البالغون إلى 7 ساعات من النوم على الأقل كل ليلة، ولكن ينبغي أن يكون النوم عالي الجودة، وفيما يلي أهم النصائح للتمتّع بنومٍ صحي ودعم المناعة:
1. تقليل التعرّض للضوء الأزرق في المساء
قد يقلّل التعرّض للضوء الأزرق مستويات هرمون الميلاتونين، الضروري للحصول على نومٍ عميق. والضوء الأزرق هو الذي تصدره الأجهزة الإلكترونية، مثل الهواتف الذكية وأجهزة الحاسوب.
ويمكنك ارتداء النظّارات الحاجبة للضوء الأزرق، أو إيقاف تشغيل الأجهزة الأخرى قبل ساعتين من النوم على الأقل.
2. عدم تناول الكافيين في وقت متأخر من اليوم
أظهرت مراجعة بحثية عام 2023 في دورية "Sleep Medicine Reviews" أنّ الاستهلاك المتأخّر للكافيين، يقلّل من إجمالي وقت النوم بمقدار 45 دقيقة وكفاءة النوم الإجمالية بنسبة 7%.
لذا يُنصَح بتجنّب المشروبات التي تحتوي على الكافيين قبل 8 ساعات على الأقل من موعد النوم.
3. النوم والاستيقاظ في مواعيد ثابتة
تعمل الساعة البيولوجية داخل الجسم وفق إيقاعٍ مُحدّد، يتناغم مع شروق الشمس وغروبها، ولذلك فإنّ التزام أوقات نومٍ واستيقاظ ثابتة، يمكِن أن يساعد على تحسين جودة النوم على المدى الطويل.
4. تهيئة غرفة نومك
كي تكون غرفة نومك مُهيّأة جيدًا، حاول تقليل الضوضاء الخارجية والأضواء الاصطناعية الصادرة عن أجهزة مثل المنبّهات، كما يُنصَح بأن تكون الغرفة هادئة ومظلمة، وبدرجة حرارة مناسبة (18.3 درجة مئوية إن أمكن).
5. عدم الأكل في وقت متأخّر من الليل
الأكل ليلًا مؤثّر سلبي في جودة نومك، لذا حاول أن تتناول العشاء قبل ساعات قليلة من النوم، وعند الحاجة إلى الأكل قبل النوم، فحاول أن تقتصر على وجبة خفيفة صغيرة.
6. استشارة مُختص
أحيانًا يكون لديك اضطراب نوم لا تدري عنه شيئًا هو ما يُبقِيك مستيقظًا أو يجعل النوم صعبًا وليس يسيرًا كما كان في السابق، وفي مثل تلك الحال، يُوصَى باستشارة طبيب مُختص، للمساعدة على علاج اضطرابات النوم واستعادة ساعات نومك المفقودة؛ إذ إنّ تقوية المناعة والحفاظ عليها في أوج نشاطها يبدأ من نومك.
